(الضؤ الشارد) صمت الدبلوماسية..وتأسيس علي الخط. هل دخلت مصر الحرب السودانية من بوابة السماء بقلم الاستاذ/ملوك ميوت ايواك

يحمل بيان تحالف تأسيس دلالات سياسية وعسكرية تتجاوز مجرد إدانة لغارة جوية فهو يمثل تصعيدا كبيرا في الخطاب تجاه مصر وينقل الاتهام من دائرة الدعم السياسي أو اللوجستي إلى دائرة المشاركة العسكرية المباشرة في الحرب السودانية.
فالبيان يسعى إلى ترسيخ رواية مفادها أن ما جرى ليس حادثا عسكريا عابرا بل جزء من مشروع أوسع يتعلق بالسيطرة على الموارد السودانية واستغلال حالة الانهيار التي تعيشها البلاد. ولذلك ربط البيان بين القصف الجوي وبين ملفات الذهب والمياه والزراعة والثروة الحيوانية في محاولة لإضفاء بعد اقتصادي واستراتيجي على الهجوم
كما أن اختيار مواقع التعدين الأهلي كهدف للحديث يحمل بعدا إنسانيا مؤثرا لأن هذه المناطق يرتبط بها آلاف المعدنين البسطاء الذين يبحثون عن لقمة العيش في ظروف قاسية. ومن خلال الحديث عن مئات القتلى والعالقين تحت الأنقاض يحاول التحالف نقل القضية من ساحة الصراع العسكري إلى ساحة الجرائم الإنسانية التي تستوجب تدخل المجتمع الدولي.
ويكشف البيان أيضا عن تحول مهم في طبيعة الخطاب السياسي لقوى تأسيس إذ لم يكتفِ بإدانة الغارات بل اتهم بصورة مباشرة ما وصفه بـ التنسيق مع جيش الحركة الإسلامية وهو اتهام يهدف إلى توسيع دائرة المسؤولية السياسية وربط الحرب الداخلية السودانية بأطراف إقليمية.
وفي جانب آخر يبدو أن البيان يخاطب المجتمع الدولي أكثر مما يخاطب الداخل السوداني من خلال التركيز على مصطلحات مثل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني و رصد الجرائم وحماية المدنيين. وهي لغة تهدف إلى حشد الضغوط السياسية والحقوقية الخارجية ضد الأطراف المتهمة.
لكن الأخطر في مضمون البيان أنه يعكس اتساع رقعة الحرب السودانية وتحولها تدريجيا إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح حيث لم تعد الاتهامات مقتصرة على القوى المحلية المتحاربة بل امتدت إلى دول الجوار الأمر الذي ينذر بمزيد من التعقيد ويجعل الوصول إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.
إذا صحت هذه الاتهامات فإن الدم السوداني يكون قد دخل مرحلة جديدة من الاستباحة مرحلة لم تعد فيها الأرض وحدها مسرحا للمأساة بل السماء أيضا. وعندما تتحول آبار الذهب إلى مقابر جماعية وتصبح من الطائرات رسول موت بدلا من أن تكون رمزا للسيادة فإن السؤال الذي سيطارد الجميع ليس من أطلق الصواريخ فحسب بل من سمح للسودان أن يتحول إلى غنيمة تتقاسمها البنادق والطامعون في ثرواته. فالأوطان لا تموت بضربة واحدة وإنما تموت حين يصبح دم أبنائها أرخص من الذهب المدفون تحت رمالها وسخورها.


