تكاليف الزواج وتكاليف العزاء.. عادات سودانية تستحق إعادة النظر في ضوء تجارب الشعوب بقلم دكتور زكي محمد البشير
لا شك أن المجتمع السوداني يمتاز بقيم التكافل والتراحم والكرم، وهي قيم شكلت جزءًا أصيلًا من هويته عبر التاريخ. غير أن بعض الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالزواج والعزاء تطورت مع مرور الزمن حتى أصبحت تمثل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا على الأسر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
ففي الزواج، تحولت المناسبة عند كثير من الناس من مناسبة لبناء أسرة مستقرة إلى سباق في المظاهر والتكاليف الباهظة. فقد ارتفعت المهور، وتعددت الولائم، وزادت نفقات القاعات والزينة والهدايا، حتى أصبح كثير من الشباب يؤجلون الزواج أو يعزفون عنه بسبب عدم قدرتهم على تحمل تلك الأعباء. والنتيجة هي تأخر سن الزواج، وازدياد الضغوط النفسية والاقتصادية على الشباب وأسرهم.
أما في العزاء، فقد أصبح بعض الناس يتكلفون في إعداد الطعام واستقبال المعزين لأيام متواصلة، رغم أن أهل الفقيد هم الأولى بالمواساة وتخفيف الأعباء عنهم، لا تحميلهم مزيدًا من النفقات. وفي أوقات كثيرة تضطر الأسر إلى الاستدانة أو بيع بعض ممتلكاتها لتغطية تكاليف العزاء، وهو أمر يتعارض مع مقاصد التعزية القائمة على المواساة والتراحم.
وقد أثبتت تجارب العديد من الشعوب أن تبسيط هذه المناسبات لا ينتقص من قيمتها، بل يعزز أهدافها. ففي كثير من الدول الإسلامية، تُقام حفلات زواج بسيطة تقتصر على أفراد الأسرة والأصدقاء المقربين، بينما تُوجَّه الأموال إلى تأسيس حياة الزوجين. وفي دول أخرى، أصبحت حفلات الزواج الجماعي وسيلة ناجحة لتخفيف الأعباء على الشباب.
وفيما يتعلق بالعزاء، تتجه مجتمعات كثيرة إلى الاكتفاء بحضور المعزين والدعاء للمتوفى، دون إلزام أهل الفقيد بإعداد الولائم، بل يتولى الأقارب والجيران توفير الطعام لهم، تجسيدًا لمعاني التكافل التي دعت إليها القيم الدينية والإنسانية.
إن السودان اليوم، وهو يسعى إلى التعافي وإعادة البناء، بحاجة إلى مراجعة كثير من العادات الاجتماعية التي استنزفت الأسر دون أن تضيف قيمة حقيقية للمجتمع. فالعادات ليست مقدسة، وإنما تتغير بما يحقق مصلحة الناس ويحفظ كرامتهم.
إن المطلوب ليس التخلي عن الفرح أو إلغاء واجب المواساة، وإنما العودة إلى البساطة، والابتعاد عن المباهاة، ونشر ثقافة الاعتدال. ويمكن للمؤسسات الدينية، والإعلام، والإدارات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدني أن تقود حوارًا مجتمعيًا واسعًا لتصحيح هذه المفاهيم، وتشجيع المبادرات التي تدعو إلى تيسير الزواج وتخفيف أعباء العزاء.
فالمجتمعات المتقدمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه في المناسبات، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين المحافظة على التقاليد ومراعاة الواقع الاقتصادي. وإذا نجح المجتمع السوداني في إعادة النظر في هذه العادات، فإنه سيمنح شبابه فرصة أفضل لبناء أسر مستقرة، وسيجعل من مناسبات الفرح والحزن مناسبات للتراحم والتكافل، لا سببًا للديون والمشقة.


