كيفما.. د. غالب محمد طه يكتب بعد الحرب… من يعيد بناء الإنسان؟

قبل أيام اتصلت بصديقي المهندس عماد، بعد عودة شركته إلى الخرطوم. لم يكن لدي سؤال محدد أكثر من: كيف الأحوال؟ وكيف وجدتم الخرطوم بعد العودة؟
تحدثنا قليلًا عن العمل. عن المكاتب التي بدأت تستعيد شيئًا من حركتها، وعن الصعوبة التي تواجهها المؤسسات وهي تحاول أن تبدأ من جديد. ثم جاء الحديث، كما يحدث عادة بين صديقين، إلى الناس الذين عادوا معهم.
قال لي إن بعض الموظفين رجعوا إلى الخرطوم وهم يحملون أشياء كثيرة لا تظهر في السيرة الذاتية ولا في ملف الموظف. بيوت فقدوها، وأشخاصًا غابوا، وأشهرًا أو سنوات عاشوها في ظروف لم يختاروها.
وبينما كنا نتحدث عن المرحلة المقبلة، قال عماد جملة توقفت عندها:
«يهمني رأي الصغير قبل الكبير».
قلت له إن العبارة أعجبتني. ربما لأن المدير يستطيع أن يسمع من حوله كلامًا كثيرًا، لكن ليس كل مدير يريد أن يسمع رأيًا حقيقيًا، خصوصًا إذا كان هذا الرأي مختلفًا عن رأيه.
وقبل أن ننهي الحديث، قال شيئًا آخر:
«الحرب علمتني أن أي شيء لا بد أن يكون مدروسًا».
أغلقت الهاتف، وبقيت الجملة معي.
ليس لأنها تتعلق بالإدارة وحدها. أخذت أفكر في الإنسان الذي يعود الآن إلى مكتبه. قد يعود إلى المكان نفسه الذي تركه، لكن ماذا عن الإنسان نفسه؟ هل يعود كما كان؟
ربما لا.
هناك من عاد ولم يجد بيته، ومن عاد وقد تغير عمله، ومن عاد وهو يحمل في داخله فقدًا لا يعرف كيف يشرحه. وهناك من لم يخسر شيئًا يمكن أن تسجله ورقة، لكنه فقد ذلك الشعور البسيط الذي كنا نأخذه من الأمان من دون أن نفكر فيه.
ومن هنا بدأت أفكر في معنى «العودة».
المؤسسة تستطيع أن تفتح أبوابها من جديد، وتعيد أجهزة العمل، وتستأنف الاجتماعات، وتصدر الخطط. لكن ماذا تفعل بالإنسان الذي سيجلس أمامها كل صباح؟
في حديثي مع عماد عرفت عن مبادرة أطلقوا عليها «بيتنا». الفكرة بسيطة: بعض الموظفين تضررت منازلهم بسبب الحرب، فقرر زملاؤهم أن يساعدوهم في ترميم ما يمكن ترميمه. وقد بدأوا بالفعل.
لم أعرف لماذا بقيت هذه الفكرة في ذهني أكثر من بقية ما تحدثنا عنه.
ربما لأنني تخيلت المشهد نفسه.
موظف يعود إلى بيته بعد غياب طويل، فيجد أن المكان تغير، وأن ما كان يعرفه لم يعد كما كان. ثم يجد زملاءه هناك، كل واحد منهم يحاول أن يفعل شيئًا. أحدهم جاء بما يستطيع، وآخر ساعد بجهده، وثالث ربما لم يملك إلا أن يحضر.
في النهاية، قد لا يكون البيت قد عاد كما كان، لكن شيئًا آخر يكون قد حدث.
الرجل الذي يقف بينهم لم يعد وحده.
وهذا، في رأيي، هو الجزء الذي يستحق أن نتوقف عنده.
لأن «بيتنا» ليست في النهاية قصة عن ترميم المنازل فقط. هي سؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتعامل بها مع بعضنا بعد الحرب.
الحرب لم تترك وراءها جدرانًا مهدمة فقط. تركت مؤسسات تحتاج إلى أن تبدأ من جديد، وعلاقات بين الناس أنهكتها السنوات، وأشخاصًا تغيرت حياتهم بطريقة لن تعيدها الكلمات إلى ما كانت عليه.
ولهذا أعتقد أن إعادة البناء لا يمكن أن تبدأ من الحجر وحده.
نحتاج إلى أن يشعر الإنسان أن له مكانًا يعود إليه، وأن المؤسسة التي يعمل فيها تراه كإنسان قبل أن تراه موظفًا، وأن المجتمع من حوله لا يطلب منه أن يتجاوز كل ما حدث وكأن شيئًا لم يكن.
والسودانيون الذين يعودون اليوم لا يعودون فقط بما تركوه خلفهم.
كثير منهم عاش في بلدان مختلفة، وعمل في بيئات مختلفة، واضطر إلى أن يتعلم كيف يبدأ من جديد. بعضهم اكتسب خبرات لم تكن لديه قبل الحرب، وبعضهم رأى طرقًا أخرى في العمل والإدارة والحياة. وإذا كنا جادين في بناء ما بعد الحرب، فلا ينبغي أن نعامل هذه السنوات كلها باعتبارها سنوات ضائعة؛ فحتى التجارب القاسية يمكن أن تتحول إلى معرفة إذا وجدنا الطريقة الصحيحة للاستفادة منها.
هنا بدأت أفهم لماذا بقي حديث عماد معي.
كان يتحدث عن شركة تعود إلى الخرطوم، وعن موظفين، وعن مبادرة صغيرة لمساعدة بعضهم. وأنا وجدت نفسي أفكر في البلد كله.
ماذا لو بدأت المؤسسات تنظر إلى إعادة البناء بهذه الطريقة؟
ليس فقط: كيف نعيد العمل؟
بل: كيف نعيد الإنسان إلى العمل؟
كيف نجعله يشعر أن رأيه مسموع، وأن خبرته لها قيمة، وأن ما تعلمه خلال السنوات الماضية يمكن أن يجد مكانًا في المرحلة الجديدة؟
ربما لا نحتاج في كل مرة إلى مشروع كبير حتى نبدأ.
أحيانًا يكفي أن يسمع المدير موظفه بجدية. أن يقف صاحب العمل مع عامل أصابته الحرب. أن يساعد زميل زميله في لحظة يحتاج فيها إلى المساعدة. أشياء صغيرة، لكنها بالنسبة إلى من يعيشها ليست صغيرة أبدًا.
ومن هنا تعود إليّ عبارة عماد مرة أخرى:
«يهمني رأي الصغير قبل الكبير».
ربما هذه العبارة أهم مما تبدو عليه.
فالمرحلة المقبلة لن تحتاج فقط إلى مؤسسات تعمل، وإنما إلى مؤسسات تستطيع أن تسمع. وإلى موظفين لا يشعرون أن عليهم الصمت حتى تستقيم الأمور. فالمؤسسة التي تسمع الناس الذين يعملون فيها قد تكتشف أشياء لا تظهر في التقارير والخطط، وقد تجد في تجاربهم جزءًا من الطريق الذي تبحث عنه.
ومع الوقت، يمكن للعمل نفسه أن يصبح وسيلة لاستعادة شيء من الحياة التي أخذتها الحرب.
ومنذ ذلك الاتصال وأنا أفكر في السودان بطريقة مختلفة قليلًا.
نحن لا نعيد بناء بلد فقط. نحن نحاول أن نعيد بناء علاقات وثقة وحياة يومية كاملة. وهذا أكبر من قدرة حكومة أو مؤسسة أو فرد واحد.
لكن ذلك لا يعني أن الفرد لا يستطيع أن يفعل شيئًا.
على العكس.
ربما يبدأ الأمر من مكان صغير جدًا، من مكتب، أو بيت، أو شارع، أو مجموعة من الناس قررت ألا تترك واحدًا منها يواجه خسارته وحده.
وعندما تتكرر هذه الأشياء في أماكن مختلفة، يمكن أن يحدث شيء أكبر مما نتوقع.
ربما كان عماد يتحدث معي عن الإدارة، لكنه جعلني أفكر في سؤال آخر: ماذا نريد للسودان بعد الحرب؟
هل نريد فقط أن تعود المكاتب إلى العمل، والطرق إلى الحركة، والمباني إلى الوقوف؟
أم نريد بلدًا تعلم من كل ما حدث، واستفاد من خبرات أبنائه الذين عاشوا سنوات مختلفة في الخارج والداخل، وأصبح أكثر قدرة على الاستماع إلى الناس الذين سيبنون مستقبله؟
قال عماد إن الحرب علمته أن أي شيء لا بد أن يكون مدروسًا.
وأظن أن هذه المرة تحديدًا علينا أن نفكر جيدًا قبل أن نعيد كل شيء كما كان.
فربما لا تكون مهمتنا أن نعيد السودان إلى ما قبل الحرب.
ربما تكون مهمتنا أن نبني السودان الذي كان يمكن أن يكون.
وعندما اتصلت بعماد في ذلك اليوم، كنت أسأل عن شركة عادت إلى الخرطوم.
لكنني أغلقت الهاتف وأنا أفكر في السودان كله.


