دكتور التجاني الطيب عبدالماجد يكتب هل بدأ الربيع الأوروبي؟

من ميادين الربيع العربي إلى شوارع أوروبا.. هل تتغير علاقة الشعوب بالسلطة؟
لم تعد شوارع أوروبا، التي طالما ارتبطت في أذهان العالم بالاستقرار السياسي والرفاه الاقتصادي وترسخ المؤسسات الديمقراطية، بمنأى عن موجات الغضب الشعبي. فمن فرنسا إلى ألمانيا وألبانيا، تتصاعد الاحتجاجات وتتعدد الشعارات، وتتقاطع المطالب الاقتصادية والاجتماعية مع الدعوات إلى الإصلاح السياسي ومحاسبة الحكومات. وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال يستحق التأمل: هل تشهد أوروبا مخاض ربيع شعبي جديد، أم أنها تمر بموجة اضطرابات ستنحسر مع معالجة أسبابها؟
في فرنسا، تصاعدت خلال أكتوبر 2026 الاحتجاجات التي بدأت بمطالب طلابية تتعلق بتردي أوضاع التعليم ونقص المعلمين وضعف الخدمات، قبل أن تتسع لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية. وانضمت إلى هذا الحراك قطاعات نقابية وشعبية، فيما شهدت بعض المدن مواجهات وأعمال تخريب ونهب، دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية. ولم يعد الأمر مجرد احتجاج على قضية محددة، بل تحول إلى تعبير عن استياء أوسع من السياسات الحكومية والضغوط التي تثقل كاهل المواطنين، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وقد أشارت تقارير صحفية حديثة إلى أن تجدد حراك السترات الصفراء يضيف بُعداً آخر إلى المشهد الفرنسي، بما يحمله من ذاكرة احتجاجية تعود إلى عام 2018.
أما ألمانيا، التي تُعد إحدى أقوى الاقتصادات الأوروبية، فلم تكن بعيدة عن هذا المزاج الشعبي. ففي سبتمبر الماضي، خرجت نقابات عمالية في خمس عشرة مدينة للاحتجاج على إصلاحات اجتماعية تعتزم الحكومة تنفيذها، شملت قضايا المعاشات والرعاية الصحية وحقوق العاملين وساعات العمل. ورفع المحتجون شعارات تحذر من المساس بالمكتسبات الاجتماعية، مطالبين بتوجيه الموارد إلى الخدمات العامة بدلاً من تحميل العمال والفئات الأقل دخلاً أعباء إضافية. وقد أعلنت النقابات المنظمة مشاركة نحو 175 ألف شخص في هذه التحركات، في مؤشر على أن القلق الاجتماعي لا يقتصر على الاقتصادات المتعثرة، بل يمتد إلى مجتمعات تتمتع بقدرات اقتصادية كبيرة، حين يشعر مواطنوها بأن الاستقرار المعيشي بات أكثر هشاشة.
وفي ألبانيا، اتخذ الحراك منحى أكثر مباشرة في مواجهة السلطة. فقد انطلقت احتجاجات مرتبطة بالاعتراض على مشروع تنموي سياحي فاخر في منطقة طبيعية محمية، ثم اتسعت المطالب لتشمل مكافحة الفساد وتحسين الخدمات والتعليم والظروف المعيشية، وصولاً إلى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. ومع انضمام أعداد من الطلاب إلى الاحتجاجات، شهدت العاصمة تيرانا مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، واستخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بينما سُجلت أعمال عنف وتخريب. وهكذا انتقل الحراك من قضية بيئية وتنموية محددة إلى تعبير عن أزمة ثقة أوسع في أداء المؤسسات السياسية.
هذه المشاهد الأوروبية تستدعي إلى الذاكرة ما جرى في العالم العربي خلال عام 2011، حين خرجت الجماهير إلى الشوارع في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، في موجة تاريخية عُرفت باسم «الربيع العربي». يومها، بدأت الاحتجاجات في بعض البلدان بمطالب تتصل بالبطالة والفساد والكرامة والعدالة الاجتماعية، ثم تطورت إلى مطالب سياسية تتعلق بالحريات والمحاسبة وتغيير الحكومات والأنظمة. ففي تونس، أشعلت حادثة محمد البوعزيزي موجة احتجاج انتهت بسقوط نظام زين العابدين بن علي. وفي مصر، احتشدت الجماهير في ميدان التحرير مطالبة بإنهاء حكم حسني مبارك، الذي تنحى في فبراير 2011. أما ليبيا، فقد انزلقت الانتفاضة إلى صراع مسلح انتهى بسقوط نظام معمر القذافي، بينما شهدت اليمن انتقالاً سياسياً أعقب الاحتجاجات، قبل أن تدخل البلاد في صراع طويل. وفي سوريا، تحولت الاحتجاجات التي بدأت سلمية إلى حرب مدمرة ذات تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
غير أن استحضار الربيع العربي لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه بالضرورة، أو أن المآلات ستكون متشابهة. فالفوارق بين السياقين كبيرة؛ إذ تمتلك الدول الأوروبية مؤسسات دستورية راسخة، وانتخابات دورية، وأحزاباً ونقابات ووسائل إعلام تستطيع، بدرجات متفاوتة، نقل مطالب الشارع إلى المجال السياسي. كما أن الاحتجاج في الأنظمة الديمقراطية لا يعني بالضرورة رفض النظام نفسه، فقد يكون وسيلة للضغط من أجل تعديل السياسات أو تغيير الحكومة عبر صناديق الاقتراع، لا عبر إسقاط الدولة أو تقويض مؤسساتها.
ومع ذلك، فإن التشابه بين التجربتين يكمن في نقطة جوهرية: حين تتراكم الضغوط الاقتصادية، وتتسع الفجوة بين تطلعات المواطنين واستجابة الحكومات، تتجاوز الاحتجاجات حدود المطالب الجزئية، لتتحول إلى أزمة ثقة. فارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على السكن، وتراجع جودة الخدمات العامة، والشعور بأن القرارات السياسية لا تعكس أولويات الناس، كلها عوامل قد تدفع قطاعات واسعة إلى الشارع، حتى في البلدان التي تتمتع بتاريخ طويل من الاستقرار الديمقراطي.
وهنا يبرز سؤال التأثير: هل يستطيع هذا الحراك إحداث تغيير في أنظمة أوروبا؟
الإجابة أن التأثير لا يُقاس فقط بسقوط الحكومات أو بقاء الرؤساء في مناصبهم، بل كذلك بقدرة الشارع على فرض مراجعة السياسات العامة. ففي فرنسا، أسهمت الاحتجاجات الراهنة، وفق تقارير صحفية، في دفع الحكومة إلى إعلان إجراءات تتعلق بنقص المعلمين والتراجع عن بعض الزيادات المقترحة في الرسوم الجامعية، إلى جانب تدابير مرتبطة بتكاليف الوقود. وفي ألمانيا، تضع تحركات النقابات ملف الحماية الاجتماعية وحقوق العاملين في صدارة النقاش العام. أما في ألبانيا، فإن اتساع المطالب إلى استقالة رئيس الوزراء ومكافحة الفساد يضع الحكومة أمام اختبار سياسي أشد تعقيداً.
وقد لا تسقط حكومة أوروبية تحت ضغط المظاهرات، لكنها قد تضطر إلى تعديل ميزانيتها، أو مراجعة قراراتها الاقتصادية، أو تغيير قياداتها، أو مواجهة خسائر انتخابية تعيد رسم خريطة القوى السياسية. كما أن استمرار الاحتجاجات قد يمنح الأحزاب الشعبوية، سواء من اليمين أو اليسار، فرصاً أوسع لاستثمار الغضب الشعبي وتقديم نفسها بديلاً عن القوى التقليدية. وهنا تكمن المفارقة: فقد يؤدي الحراك إلى توسيع المشاركة السياسية وتعزيز المحاسبة، لكنه قد يفضي أيضاً إلى مزيد من الاستقطاب إذا استُخدم الغضب لتغذية الانقسام بدلاً من معالجة أسبابه.
وفي المقابل، لا يجوز النظر إلى كل مظاهرة باعتبارها ثورة، ولا إلى كل أعمال عنف بوصفها تعبيراً عن إرادة الشعب بأكمله. فالاحتجاج السلمي حق ديمقراطي أصيل، أما الاعتداء على الأشخاص وتدمير الممتلكات العامة والخاصة فلا يقدمان حلاً للأزمات، بل قد يضعفان المطالب المشروعة ويمنحان السلطات مبرراً لتشديد الإجراءات الأمنية. والتحدي الحقيقي أمام الحكومات الأوروبية هو أن تميز بين حماية النظام العام واحترام الحق في الاحتجاج، وأن تستجيب للمظالم الاجتماعية من دون أن تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة مفتوحة مع المواطنين.
إن ما يجري اليوم في أوروبا لا يكفي، حتى الآن، للجزم بأن ربيعاً أوروبياً شاملاً قد بدأ، لكنه يكشف عن تصدعات اجتماعية وسياسية تستحق المتابعة. فالأزمة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، ولا في تراجع الخدمات فحسب، وإنما في قدرة المؤسسات على إقناع المواطنين بأن أصواتهم مسموعة، وأن ثمار التنمية تصل إليهم، وأن السياسات العامة لا تُصاغ بعيداً عن احتياجاتهم الحقيقية.
والدرس الأهم الذي يقدمه الربيع العربي، بما حمله من آمال وما خلّفه في عدد من البلدان من صراعات وخسائر، هو أن تجاهل المطالب الشعبية قد يفاقم الأزمات، لكن إسقاط الأنظمة لا يضمن وحده بناء دول عادلة ومستقرة. فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات قوية، وقيادة مسؤولة، ورؤية واضحة للإصلاح، وضمانات تحمي الحقوق والحريات، وتمنع انزلاق الخلاف السياسي إلى العنف والفوضى.
وعليه، فإن عنوان «الربيع الأوروبي» يظل سؤالاً مفتوحاً أكثر منه حكماً نهائياً. فإما أن تنجح الحكومات في تحويل رسائل الشارع إلى إصلاحات ملموسة تعيد الثقة وتخفف الأعباء عن المواطنين، وإما أن يستمر الاحتقان ويتحول إلى عامل يعيد تشكيل المشهد السياسي والانتخابي في القارة. وفي الحالتين، فإن أوروبا تقف أمام اختبار مهم: ليس اختبار قدرتها على احتواء المظاهرات فحسب، بل قدرتها على الإصغاء إلى شعوبها قبل أن يصبح الغضب أكبر من أن تحتويه الحلول المؤقتة.
فهل تتعلم أوروبا من دروس الربيع العربي، أم أن الشوارع ستظل تكتب فصولاً جديدة من صراع المواطن مع السياسات التي يرى أنها لم تعد تلبي تطلعاته؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان هذا الحراك بداية ربيع سياسي جديد، أم محطة أخرى في مسيرة الديمقراطيات نحو إعادة التوازن بين السلطة والمجتمع.


