أعمدة الرأي

عقيد شرطة (م) مهيد الشيخ التاج يكتب ملاحظات حول العودة الجاذبة للخرطوم(٢)

تحدثت سابقا في تلك الدراسة الموجزة والسربعة عن أن الهجرة العكسية من المركز (الخرطوم) إلى الولايات هي الحل الأمثل لكل سكان الخرطوم .. وكنت قد أشرت إلى ان تحطم البنى التحتية للعاصمة السودانية الخرطوم يتطلب زمنا لإعمارها حتى تعد قادرة على إستيعاب ما كان بها من سكان.. حيث أن الخرطوم كانت قد شهدت هجرات بأعداد كبيرة من الولايات وكانت تئن وتعج بالسكان وهم يفوقون في تعدادهم ماخطط لإستيعابه من أعداد السكان وفق البنى التحتية المعدة لها..

ولعلنا كنا قد لاحظنا ذلك جليا في حركة المرور عبر الكباري والجسور و الإختناقات المرورية في الشوارع و إكتظاظ الأسواق بالباعة المتجولون و (الفريشة) وهم يتمددون إلي قارعة الطرق ببضائعهم لدرجة تعيق حركة سير المركبات والمشاة معا..وذات الكثافة تشكل ضغطا على شبكات المياه و الكهرباء وحتى شبكات الإتصال وكثير من غيرها من الخدمات بما فيها الخدمات الأمنية نفسها.. وكما أسلفت فإن للحرب أثار على المدى القصير والمتوسط والبعيد.. وحقا الخرطوم الآن تحتاج إلي التعمير.. وبغض النظر عن من سيعمرها وكم سيكلفه ذلك.. فإنها فرصة للجميع لتعمير أفكارهم وتطويرها و البحث عن فرص عيش بديلة في الولايات..حتى ندع الخرطوم لتكن عاصمة ادارية فقط.. وحقا ستكون الفرصة جيدة وملائمة جدا حبث تكون المصانع في الولايات حيث مناطق الإنتاج.. فهذه الهجرة العكسية للإقتصاد من المركز إلى الولايات حتما ستكون لها فوائد عديدة.. ولعل المختصين في علوم الإقتصاد والشأن الإقتصادي يعلمون ذلك جيدا ويمكنهم التحدث عنه بصورة أفضل وخصوصا كيف نحول المشروعات الفردية لمشروعات قومية يمكنها الدفع بعجلة الإقتصاد القومي وحل كثير من المشكلات الإجتماعية المرتبطة بالإقتصاد.. ولعل هذه الهجرة العكسية والتي حدثت من الخرطوم للولايات في هذه الفترة تكون هي نواة للبناء الإقتصادي والإداري في الولايات وفرصة لتحول جزء من رؤوس الأموال والخبرات من العاصمة للولايات..وتكون هذه الهجرة فرصة إستفادة أكبر من الموارد المحلية لكل ولاية وخلق فرص عمل أكتر.. وفرصة لتحسين المستوى المعيشي في ‏الولايات..و فرصة لإعادة ترتيب للكثافة السكانية والنسيج الإجتماعي لولايات السودان كلها… فهذه الحرب وإن كانت كريهة ولكن بها من الدروس ما يجب أن نتعلمه ونستفيد منه.. فهذه الهجرة يجب أن تكون أول الدروس المستفادة..وبرغم ذلك هناك من 

يعتقدون أن العاصمة الخرطوم ستعود سريعا لما قبل الحرب..و سيعود النازحون لمنازلهم وتفتح الجامعات والمدارس أبوابها وتعود ليالي العاصمة الخرطوم لسابق عهدها..فدعونا نفكر بعقولنا بعيدا عن العواطف..فالخرطوم حتما لن تعود لما قبل 15 ابريل فور نهاية هذه الحرب ..وعلينا أن نكسب الزمن ولا نضيعه في إنتظار الوعود البراقة..‏

فالسودان ليس هو الخرطوم وحدها.. كما يسود فهما في أغلب الدول العربيه إن العواصم هي بؤرة الإقتصاد والتعليم.. ولكن 

في الغرب لاتستطيع أن تميز بين الأقاليم والعاصمه بحيث أن المصانع والعمران ومراكز البحوث العلمية موزعة على الأقاليم بدلا من الهجرة للمركز..نعم الان يواجه النازحون في الولايات وبعيدا عن المركز شبح الإقامة حيث بلغت الإيجارات ارقاما فلكية بجانب العديد من المشكلات الأخرى ..حيث أن حركة النزوح هذه لم تكن مخطط لها أو مدروسة.. بل جاءت فجأة دون أي تحسب وكانت فقط للنجاة والإبتعاد عن شبح الحرب. وعليه لابد من تحويل الخدمات للولايات بكافة مستوياتها حتى لاتكون هناك حوجة للهجرة إلي العاصمة حيث تقل فرص العمل وإنتشار الجريمة والجهل . فإن ما حدث في السودان حدث فى دول اخرى عديدة مثل ليبيا واليمن والعراق وسوريا.. فالحرب في تلك الدول مستمرة لاكثر من عشرة سنوات.. الان على الحكومة أن تنقل المؤسسات المهمة للولايات حتى لا تتعطل حياة الناس.. ولكن مع أنه ليس بالسهل على الإنسان أن يتخلى عن مسكنه وبيته..ولكن لابد أن نحتفظ ببيوتنا ومساكننا في الخرطوم دون أن نبيعها أو نتخلص منها ونرجع إلي الولايات َ..وتجدر الإشارة هنا إلي معلومة مهمة وهي في غاية الخطورة.. إن العدو المتمرد كان قد إنتهج نهج تفريغ العاصمة من سكانها وتدمير حيوياتها لأغراض معينة لإحلال عنصر محل آخر.. ومن المتوقع بعد الحرب أن يحدث إنتعاش في عمليات بيع و شراء العقارات من جهات مجهولة و بواسطة وسطاء محلين مستغلين لحالة الفقر و ضيق المعيشة التي سوف تعاني منها معظم الأسر السودانية جراء ويلات الحرب.. و الإنتعاش في هذه الأوقات هو لا شك مؤشر لعملية الإحلال و الإبدال للسكان التي أشرت إليها.. و لذلك يكون من المناسب جدا للسلطات أن توقف بيع و شراء العقارات إلا بإذن منها.. وعلى السلطات الأمنية إخضاع المشتري لإجراءات فقط للتأكد من هويته.َ. ويفترض أن تنبه الدولة المواطنين بعدم يبيع أراضيهم مهما كان الثمن و لابد من أن تصاحب هذه التوعية شروط وضوابط صارمة لذلك.. وهنا يمكن أن لا ترجع الأسرة بأكملها إلى الخرطوم.. ولكن يمكن أن يرجع أحدهم ويكون.. الناس في أماكنهم و تتكاتف جهودهم ليبنوا ويساعدوا في الإصلاحات مع بعضهم بالعون الذاتي مشاركة للحكومة بحيث يعمل أبناد كل منطقة اوحي في منطقتهم أو حيهم و يقدموا كل المساعدات بما فيها المساعدات المالية والكل يجب أن يعمل في إخلاص مع إلتزام الحكومة بتوفير الأمن في كل المناطق وهنا تزداد الحوجة للدور المطلوب من المواطن في تحقيق العملية الأمنية.. ولا بد أن تكون الدولة صادقة و أمينة في عمليات إعادة التعمير رغم أنه وقطعا ستكون هذه الحرب قد أهلكت مواردها وهي من قبل الحرب تعاني.. حيث على الدولة إعادة ترميم المؤسسات الحكومية والخدمية والبنية التحتية وهذا ليس بالأمر السهل.. ولكن على الدولة أيضا معاونة المواطن من خلال بعض الإجراءات مثل إلغاء الجمارك بالنسبة لبعض الأشياء لتسهيل إستيراد كل ما بتعلق بالتنمية و الإعمار والصناعات التحويلية والماكينات الزراعية ومدخلات الإنتاج لتتم عمليات الإنتاج بكل سهولة دون تعقيد ..

 

حفظ الله سوداننا من كل شر.. 

 

والله المستعان.. 

زر الذهاب إلى الأعلى