مقالات الرأي

( هذي رؤاي) عبد العزيز عبد الوهاب يكتب   الصديق رزق من الله

 

 

الصديق الوفيٌ كنز ثمين ، يستلزم بذل التمحيص و الجهد ، للظفر به ؛ لتخيٌره ، ربما بعد تعثرات ، فما أحلى النداوة بعد التنكب والعداوة ، و السعيد من يُحظى بمن كان مخلصا في عداوته لأنه حتما سيكون مخلصا في نداوته. 

 

عند المحن ينبغي فتح ملف الصداقة ، لإعادة توصيفه وتصنيف مراتبه . لأن قماشة الصداقة واسعة تتسع على غيرها من العلاقات مثل( الحب) الذي قد تفسده الغيرة ونزعة التملك .

 

وهي تسع القريب والغريب ، ولأنها رزق ففيها شفاء لا شقاء . والصداقة أُشتقت من الصدق وعليه تأكل وتشرب ، لذا لا تجوز خسارة منافعها بالتنكص في الإختيار الذي يعقبه الندم والتأسٌف .

 

شرط أساسي كفيل بأن يُبقي الصداقة في قمة العلاقات بين الناس، وهو التحلي بالمروءة، وعند كل إنخذال أو تراجع فيها يعني الحط من الصداقة وإنزالها إلى مجرد علاقة عابرة .

 

قسم أرسطو الصداقة إلى ثلاث مراتب ، تشمل المنفعة، المتعة ثم صداقة الفضيلة ، وبتكاملهن تبلغ الصداقة أرفع تمثلاتها .

 

ولعل أصدق صداقة عرفتها البشرية وسجلها التاريخ هي التي جمعت بين صفوة الخلق النبي محمد ( ص) وأبي بكر الصديق ، والتي عبٌر عنها أبوبكر ببيتين من الشعر مثلا أبهر دلالة على تكامل المحبة حيث قال رضي الله عنه :

 

مرض الحبيبُ فعدته 

               فمرضتُ من أسفي عليه

شفي الحبيب فزارني

              فشفيت من نظري إليه

 

 والصديق عند النقطة صفر ، حين يتجاوز سهولة الوصف وسيولة المشاعر ؛ تلك التي يجب ضبطها أو التحكم بتدفقها ؛ ليرتقي فيصبح صديقا بالمعنى المباشر ، لابد أن يحصد الدرجة العالية في إختبار المحن والصلابة ، الشٌح والشدائد ، الغرض ، العرض والمرض .

 

 وحين يصل إلى هناك ؛ يومها سيكون لك بمثابة نسمة باردة كشمعة في ساعة عتمة ، كمرآة ترى فيها محاسنك فيعززها ؛ عيوبك فيسعى ليهذبك لتعود سويًا أو قريبا من ذلك . 

 

ساعتها ستتضاعف نفسك بنفسه ؛ ضميرك بضميره ، فتعودان متوافقين ، تتشابهان ليس في السطحيات بل في الأفكار والشجون وفيما يسميه العلماء ( بالكيمياء القوية) .

 

بل تتسع قماشة الصداقة لتتموضع بيسر حتى بين الحيوانات ، حين تتأسس الصداقة بينها على الإلفة والكرم في العطاء وتتسامى لتختم بختم المحبة ، كما هو الحال في الإبل والخيول والقردة ، وهنا كما في العلاقة بين البشر تتدرج الصداقة من الحميمية الفاضلة إلى العلاقة الفاترة .

 

ووجدت دراسة أن قلب ( الجمل) يحوي 5 أصدقاء حميمين ، يليهم 15 صديقا بمستوى أقل ،بينما يزيد العدد إلى 50 وهم ممن قد يتغابى في أحدهم العِرفة ، لكن الجميع سيتضامن بلا شك في حالي المنشط والمكره!

 

بينما أثبتت الدراسة أن الإنسان يستطيع مصادقة 150 فردا، نصفهم من العائلة والباقي يتوزع بحسب شبكة العلاقات الإجتماعية . 

 

والصديق الوفيٌ ؛ لا المجوبك الغبيان ، هو من يصدُقك ويصدٌقك ،يشاركك الأسرار والهموم ، يدفعك للخير ويدفع عنك كل مكروه .

 

فالكياسة تبلغ تمامها حين تنجح في تمييز عدوك الصريح ، ذلك أفضل ألف مرة من فشلك بجدارة في معرفة صليحك من عدوك .

 

 لحظتها ستكون مستحقا أن توصف بالرجل ( عدو نفسه) ،ما أسوأ منه سوى أن تكون صديقا لعدوك ، جهلت أو علمت ، جهالة تجعل تل أبيب ؛ التي تتأسد لتبيد غزة ؛ ابن زايد يراها كحمل وديع، الغنماية تاكل عشاه .!

 

يقال إن صداقة الرجل للرجل أدوم من صداقة الأنثى للأنثى ،بسبب إعتدال المزاج وتراجع مستوى الغيرة وإتساع دائرة التلاقي الفكري والثقافي والسياسي عند الذكور .

 

 بالتناغم ؛ قد تطرأ زمالة بين الرجل والمرأة في العمل ، غالبا ما تكون وقورة ومحصنة بما يسمونه ( الحاجز الزجاجي) الذي ينشأ من الوعي الذاتي ورقابة الجماعة ، لكنها قد تتطور إلى صداقة ينتج عنها إنجذاب رومانسي يفضي إلى زواج ، خصوصا بين العزٌاب . وكم من طفولات جميلة جاءت ثمرة لجلسات صداقة تحت شجرات وزارة الإسكان أو المالية أو داخل مكاتب بنك الخرطوم المكندشة .

 

 وهو زواج يعتبره البعض أرسخ وأدوم لأنه يأتي ممزوجا بالزمالة أولا والصداقة تاليا ، على عكس الزيجات التقليدية التي قد يكون الزوج فيها صاحب بالين وقلبين وعينين . 

 

في بعض البيئات ( المطرطشة) واحدة أمريكية فنطوطة ؛ تدعى( ليندا) وقفت ألف أحمر وقاطعت رحما عشان تتزوج كلبها ( ماكس) بعد أن نشأت بينهما صداقة تولد عنها حب عاصف ،إنتهى إلى زواج أسطوري ، وبررت العروسة خطوتها بأن عريسها الكلب ، لن يخونها مع إمرأة أخرى ، كما كان يفعل أزواجها الأربعة السابقون .

 

  أظهرت دراسات سابقة أن الكلب يعد أصدق حيوان للبشر ؛ عندما إكتشف العلماء منذ آلاف السنين ، أن الكلب يتمتع بروح دعابة وعاطفة وبمزيد من ( الكبكبة)مع أهل بيته ، وأن لديه القدرة على إفراز هرمون يحفز على السلام بالأحضان مع مربيه أو مربيته . 

 

بيد أن الإحتفاء بالكلب بوصفه أصدق صديق يبدو اليوم مضللا وفي محل شك ، بعدما لاح في الأفق أن الماعز تعتبر أوفر تسامحا مع البشر من الكلب .

 

وبكلمة ؛ نستطيع القول إن الصداقة رزق ، هبة وموهبة تبدد وحشة الحياة وتسعد الروح ، لكن الصديق الوفي بات يُحسب ويوزن كما يوزن الذهب ، وكما جاء في الحديث المتفق عليه: تجدون الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. 

 

فالوفاء لا يزال مبذولا ، بين الأصدقاء لا كما يدعي الشاعر القديم حين يقول:

 

لما رأيت بني الزمان وما بهم 

خلٌ وفيٌ للشدائد اصطفي

 

فعلمت أن المستحيل ثلاثة 

الغول والعنقاء والخل الوفي ..

 

واليوم لا غول ولا عنقاء بل خلٌ وفي ، يبقى بيننا كالضمير الحي كالمرشد الناصح ، لا يتملقنا بل يبصرنا وينصرنا .

 

             ودمتم

زر الذهاب إلى الأعلى