مقالات الرأي

الحالة السودانية مالك ساتي يكتب  دروس كثيفة وتلاميذ أغبياء. متلازمة الهوية والأخر

 

 

إن الهوية في مضمونها تختزل الكيان البشري الفردي في كيانات جماعية اكبر من الفرد معتمدة علي الأيدلوجيا أو الطائفة ، أو القبيلة أو اللغة والعادات ، أو الوطن ، أو القومية أو غيرها من الانتماءات المشتركة ، وهذه الكيانات لها مكانة أسمى من الفرد والذي يقدم لها قرابين الطاعة والولاء والخضوع.

يطرح فرويد الهوية كإحدي تجليات الغريزة الجنسية والعاطفية ( ام قرون ) والتلازم بين الغريزة الجنسية والغريزة العدوانية ، فغريزة البقاء التي يمكن تنشيطها لتعمل كواقي من غريزة التدمير داخل الكيان الواحد ، لأنها تعبير عن الروابط العاطفية والاهتمامات المشتركة بين الناس ، وهذه الروابط لا تتم وتقوي إلا علي حساب الأخر ( الغير) ممن هو خارج الجماعة ، وهذا يعني أن كل هوية هي نزعة عدوانية وقتالية كامنة.

قد وصل المفكرون لهذه الحقيقة منذ وقت ليس بالقصير ، مثل امارثيا صن في كتابه ( الهوية والعنف) وامين معلوف في كتابه ( الهويات القاتلة ) ، فالهوية تقتل بلا رحمة ، وبدم بارد ، وأيضا بضمير مرتاح .

 

استوطن شيطان الهوية النموذج السوداني قبل فجر التأريخ ، وقد خلقت الهويات في حدودها المكانية ( الأخر ) الضروري لبقاءها و اخضاعه وبناء الممالك والسلطنات علي أساس تلك الهويات وقيادة حروب متصلة للابقاء علي الكيان .

إن الممالك الكوشية والنوبية ( 2500 ق. م.) 

( كوش ، كرمة ، نبتة ، مروي ) التي عاشت اكثر من الف عام ، و ( المقرة ، علوة ، نوباتيا ) في القرن السادس الميلادي والتي توسعت حتي مصر علي حساب الأخر متمترسة خلف الهوية النوبية التي عرفت بها تأريخيا.

وقد تناوشت سلطنتي الفور والفونج مملكة المسبعات ، فسلطنة الفور التي قامت علي الهوية الدارفورية في القرن الخامس عشر وحتي أخضعها المستعمر للدولة السودانية الحديثة في العام 1916م ، ومملكة سنار التي تاسست علي هويات الفونج والعبدلاب في العام 1504م .علي حساب هوية الهمج ( الأخر ) في أغلب الظن حتي دمرها محمد علي باشا في 1821م.تناوش هاذان الكيانان مملكة المسبعات ( الأخر ) ذات الهوية الكردفانية وعاصمتها الأبيض التي نشات في القرن الخامس عشر ، في حروب أمتدت بين عامي ( 1660 – 1680 م) وأنقسمت الهويات المكونة لمملكة المسبعات الي هويات أصغر بين مؤيد للفور ومؤيد للفونج كل حسب قواسم الهوية المشتركة ، أما ممالك البجة في شرق السودان والتي عاصرت الفتوحات الاسلامية لم تكن بمنأي عن صراعات الهوية وحروبها.

إن لحرب الهويات المكونة لكيانات القبائل تاريخ طويل ودموي في ربوع السودان ( انا واخوي علي ابن عمي وأنا وابن عمي علي الغريب ) وقد خلد شعر الفروسية والمدح والرثاء وغناء الحكامات الكثير من تلك المآسي .

 

 أن الهوية مسألة تصنيف بيننا والأخرين ، تأسست علي مسافة واقعية أو متخيلة بيننا وبينهم ، ولا توجد هوية بدون مسافة . وهذه المسافة تؤمن العيش في سلام مع امثالنا من هويتنا ، وهي المسئولة عن النفور من الآخر ، الي درجة أنه يمكن تصفيته دون الشعور بأدني تأنيب ضمير ، ويقرر نيتشة إن الاحساس الوراثي لدي الأعلي مقاما بأن له حقوقا أسمي يجعله مرتاح الضمير بقتل الأخر ، ولا يحس بظلمه وكأن الاخر مجرد ذبابة ، وهذه المسافة هي التي تؤمن راحة البال وغفوة الضمير حين نمارس الظلم أو القتل أو التدمير بحق الأخر ، فهي تشئ الإنسان أو تحيونه أو تنزع عنه الصفات النبيلة وتلصق به المذمات كخطوة أولي لارتكاب جرائم بحقه ( صراصير ، حشرات ) لتبرير وحشية البشر تجاه البشر ، فالضحايا يمثلون الأخر البغيض الذي يجب كسر شوكته وإخضاعه وامتهان كرامته اي استهداف إنسانيته ، فمثلا إبان حرب الإبادة الجماعية في رواندا فقد كان الهوتو يسمون التوتسي ب (الصراصير ) حتي لايحسوا بتأنيب الضمير ، إلا أن المجتمع والكيانات المكونة له قد استوعب الدرس جيدا وشرع في بناء دولته الحديثة.

 فقد إمتد إشكال الهوية والكيانات المتعددة في السودان مع تشكيل الدولة الحديثة بحدودها الجغرافية المعروفة باعتبار أن في كل هوية وحش شرس متربص ، وإن النزعة العدوانية و القتالية مقوم أساسي من مقومات الهوية ، ونتج عن ذلك ضحايا كثر في الكيان الدارفوري والكردفاني ، والجنوبي والنيل الأزرق ، وأماكن أخري بصورة أقل ولكنها موجودة علي أي حال ، وقد تقوقع جنوب السودان في هويته حد الاستقلال عن الأخر ، بعد قتال دام تحت خطاب ذو اتجاهات متعددة بطبيعة الحال ولكنه تعبير عن تلك (المسافة) بينه والأخر الذي يمثله بقية السودان .

إن القتال الذي استمر لأكثر من خمسة ألف عام في عمق التأريخ في حدود الدولة السودانية لم يعلمنا كيف نذوب تلك المسافة المشئومة والحتمية التي تقوم عليها الهوية ،والتي أصبح العالم علي وعي بها منذ قرون عديدة ، ولم نتمكن من تخليص الهوية من نزعتها العدوانية وشهوتها للتدمير بتحريك الإنتماءات المتنوعة أو الهويات الكامنة داخل كل كيان لصالح الدولة الأم ، وتجاوز المقاربة الإنعزالية والحتمية التي تختزل التنوع في إنتماء مفرد وحتمي. بل إن هذه الدروس الباهظة التكاليف لم تضئ سبل الوعي لدولة مركزية تتكون من هويات عديدة لكل منها مسافتها الملغومة والمتحفزة والملتهبة فعلا بينها والأخر الذي هو داخل كيان الدولة ، حيث فشلنا في بناء اليد الطولي للدولة التي هي فوق الهويات الصغري ، كما رسبنا عبر الحقب التاريخية في تاسيس وبناء الهوية الكلية للدولة وتحديد ( الأخر ) والاتفاق عليه خارج حدود الدولة كضرورة للبقاء وتماسك الهوية ، لأن غيابه أوهن الهوية الكلية للدولة وغذي الهويات الصغري المكونة لها فانها لا تستقيم بدون وجود الأخر.

 

زر الذهاب إلى الأعلى