مقالات الرأي

همس الحروف الباقر عبد القيوم يكتب  قسوة الزمان و فاجعة القدر

طيف من الذكريات المتداخلة و الخواطر المؤلمة في شكل بركان ثائر من العواطف المتقلبة تتقاطع أمامي تعصف بذهني و تكاد أن تفقدني عقلي ، و وضوح تفاصيل هذه الذكريات من دقة توثيقها للمواقف كأنها أشبه بضوء الشمس الذي يجلي حلكة الليل ، يا لها من تداخلات و تقاطعات عجيبة تجعلنى كمن فقد عقله أضحك مرة بدون سبب و أبكي بذات السبب مرة أخرى كطفل لم يبلغ سن التمييز ، فأجد طعم الفرح قد يغلب كل شيء و لكنه لا يستطيع أن ينسيني مرارة تلك الأيام حالكات السواد ، فكأن الحزن هو أساس الفرح . 

 

و لعلني قد إستقرأت هذا الدفق الهائل من المشاعر الملتهبة و العاصفة من خلال سرد مؤلم بالصور و الأشخاص للاخت العزيزة و الأستاذة الجليلة و المربية القديرة رقية الناير التي أحسبها من أميز نساء بلادي و لا فخر و هي تضع نفسها في أرمق الأماكن في الصفوف الأولى للنساء ، و هي تعتبر من ادق أدوات القياس التي تقاس بها رائدات السودان المبجلات اللائي حفظ لهن التاريخ دورهن بأدق تفاصيله في صفحاته .

 

في هذا المقال تعثر قلمي كثيراً و انا اكتب عن أشتات خواطر مؤلمة ظللتها سحابة من الذكريات التي وقفت أمامي حتى صورت لي الحياة كأطلال زائلة ومتهالكة عبث الزمان بها بإهمال متعمد ، و قد أتى فوق ذلك ما اتت به الحرب من خراب ، فدمرت أجمل ما بنيناه على ظهر أرض السودان ، وهدمت داخل نفوسنا أعظم ما وارثناه من قيم نبيلة و عظيمة ، فكانت بمثابة محرقة لكل شيء له قيمة . 

 

فأضحى كل شيء عندنا يحمل في تفاصيله الجمال قد شد رحاله نحو المجهول في رحلة قسرية ليس لنا فيها خيار إلا الركوب على صهوة القدر ، و تزامناً مع ذلك و مربية الأجيال رقية الناير نجدها و قد ملأت قلبها الأحزان ، و هي تتحدث عن قصة حزينة لوالدتها خديجة بت الحسن في سرد أدبي رصين و هي تحدثنا عن عظمة أمها ، تلك المرأة التي لم تتحمل هول ما حكاه الناس إليها من قصص الحرب برواية الناجين منها الذين وفدوا إلى قرية القوز الوادعة التي ترقد على ضفاف نهر النيل ، فإنعكس ذلك على صحتها النفسية و الجسدية لم يستطع قلبها الابيض الذي يحمل الجمال ، و يكن التقدير لكل مخلوقات الله و في مقدمتها الإنسان ، و رقية الناير تتحدث بلغة تمزج ما بين الحزن و الفرح الذي لم يعد له طعم ، نجده ضائع في غابة الأحزان التي فرضتها علينا أقدارنا و قد حاكها لنا الساسة بأسوأ معداتها ، و هي تحكي و تصور لنا ذكريات جميلة و نبيلة عن كرم و شهامة و حسن خلق أمها بت الحسن و تحدثنا بكل فخر و إعتزاز عن أخوانها عباس و خطاب و محمد ، و كذلك عن أخواتها ، و عن أهل و عشيرة و جيران و حبان شاركوها الحياة في قريتها بنهر النيل ، و يستمر سرد حكايتها في رسم الأحلام و الآمال في سطور بين الأيام و الشهور . و ذكريات من الأمس مفرحة و أخرى مؤلمة حتى وصلت إلى لحظة إنتقال روح والدتها إلى الرفيق الأعلى ، نعم لقد ماتت خديجة بت الحسن بقدر الله و لكنها كانت متأثرة من تداعيات فشل الساسة في صراع حرب عبثية كانت من أجل الظفر بكرسي الحكم ، فحكموا علينا بالموت تحت آلة الحرب أو تداعياتها و تأثيرها النفسي علينا ، فرحلت خديجة و يملأ قلبها حزناً دفيناً ، و لكنها قد رفعت شكواها و مظلمتها إلى محكمة السماء ، و عند الله تلتقي الخصوم ، مخلفة بعد رحيلها ذكرى عطرة تفسح الجيران و الحبان بروايتها و آخرون بسماعها ، فرحلت من هذه الفانية لتريح جسدها الذي أرهقته السنين ، فرحلت و إرتحلت معها آمالنا و أحلامنا إلى عالم آخر و خلفت بعدها ذكريات حزينة يعتصر لها القلب ويلتهب من جمرها العمر .

 

اللهم إنا سألناك و رجوناك و انت رب العزة أن ترحمها و أن تتقبلها عندك قبولاً حسناً و أن تكرمها بكرمك الواسع الفياض الذي ليس له حد او عد ، فأرحم ضعفها يا الله و قد حلت عليك ضيفة فاحسن إليها و ثبتها بالقول الثابت ، و اجعل البركة في أهلها و جيرانها و كل من حضر تشيعها أو صلى عليها و حتى عبر أمام بيتها ، و كما اسألك ان تنزل غيثاً من السكينة على قلوب أهلها و كل من يعرف فضلها ليكون لهم وجاءة من الحزن و ان تلهمهم الصبر الجميل و السلوان و حسن العزاء ، و إنا لله وإنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .

زر الذهاب إلى الأعلى