مقالات الرأي

فنجان الصباح أحمد عبد الوهاب يكتب  ابو العزايم في ذكرى غيابه ال (١٦) !!!

 

” كما احب الشجر في الدنيا ادعو الله تعالى أن يمن علي بشجرة في الجنة”
” محمود أبو العزايم”
في مشفاه ب( ساهرون) كان استاذ الجيل الكبير محمود أبو العزايم طيب الله ثراه يستقبل زواره بذات الاريحية والحفاوة وكانه يتعافى من نزلة برد عادية ويطلق التعليقات والنكات ولما قلت له (هي ايام وتخرج معافي)
قال لي (ياابني العزيز دي حاجة خطيرة دي ذبحة مش لعب).. وكان سعيدا بأن حوله احفاده أبناء مصطفى ومنى ودكتورة هدى .. وكان استاذنا أرباب على الفكي اللغوي البارع يقول له عندما تعجبه نكتة أو قصة (ان شاء الله يعجبوك اولادك).. فيهتف من أعماقه (والله عاجبني) بتشديد النون..
وجدت عنده الصديق الإذاعي الكبير الطيب قسم السيد، وآخرين.. وفي تلك الزيارة والتي حولها ابو العزايم إلى ندوة في الدين السياسة والصحافة والكورة.. والطب والفن.. قال انه اكثر اهل السودان استماعا للقرآن الكريم.. وطوف بنا في آفاق ومجالات عديدة وبذاكرة حديدية أعاد علينا قطوفا من جيل الاستقلال وذكرياته في بلاط صاحبة الجلالة وذكر كثيرين من اذاعيين وكتاب وشعراء وفنانين وصحفيين بالخير.. منهم عبد المنعم قطبي الصحفي العبقري والذي بكاه ابو العزايم بمقالة بعنوان ( فقدت فلذة كبدي الصحفية).. قال لي ذات مرة انه على عكس كثيرين ليس عنده (فنان مفضل) .. لديه اغان مفضلة تزيد عند بعض الفنانين و تقل عند آخرين .. لكنه معجب بكل اغنيات الفنان ( محمد ميرغني).. ولما أسررت لمحمد ميرغني بذلك سعد ايما سعادة.. كان يقول لي ( لكم معشر الجعليين ان تفخروا بالدلوكة فما رأيت ايقاعا قادرا على هز النفوس مثلها)
دخل علينا ابو العزايم في عام ١٩٨٥م و صحيفة الوان مثل ثورة أبريل ومثل احلامنا صبية.. ومن متع الدنيا ان يلتقي ابو العزايم وحسين خوجلي.. الذي يعترف له بالعبقرية ويدين له ابو ملاذ بالاستاذية.. وكانت الجبهة الإسلامية وقتها هي الأعلى صوتا وصيتا.. وقال لحسين ( أن كريماتي الثلاث ملتزمات) فتهلل وجه صاحب (الوان) وداعبه بقوله ابشر ( سيدخلنك الجنة)..
وكتب مرة يقول ان أجمل مانشيت في تاريخ الصحافة السودانية كتبه حسين خوجلي في ألوان بمناسبة لقاء القمة الكروية والتي جاءت بعد يوم من أخطر لقاء بين سيدي الاتحادي والأمة يقول المانشيت :-
اليوم “لقاء السيدين” بأستاد الخرطوم!!!
كان الراحل الكبير مدرسة اذاعية و صحفية متفردة، كما كان ذاكرة حية لمرحلة من أعظم مراحل التاريخ السوداني في السياسة والصحافة الإذاعة والكورة..
شهد فترة الحقيبة وعاش حقبة النضال وابكار الاستقلال وزمان المؤتمر وتاسيس الإذاعة والتلفزيون والمسرح القومي ونشوء الأحزاب واغلب الصحف ومثلما شهد الحقيبة وكتب( زمان الرق) شهد فترة الأغنية الوترية الحديثة، وكتب ( سحارة الكاشف) وعاش الرجل اغلب الانقلابات والثورات والانتفاضات.. وكان قريبا دوما من صناع القرار والأحداث ونخبة المجتمع.. ولكن صاحب الوان كان يداعبه بقوله لكنك( كنت قريبا منهم ، وغريبا عنهم) وكان يقول لاستاذنا عبد الله عبيد صاحب ( برلمان الشارع) انه يفخر بأن كل أصدقائه دوما قلة لانهم صفوة الصفوة في المجتمع..
ولانه عاش فترة الحكم الثنائي فقد كان يرد على من ينعي عليه حبه الشديد لمصر بأنه وجيله قد ( تربوا على وحدة وادي النيل).. وبرفقة مجموعة من شباب الاربعينات من بينهم الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد يروي لقاءهم الفريد بالشيخ حسن البنا زعيم الاخوان بالاسكندرية وفيما بايعه أغلبهم آثر ابو العزايم الاستقلالية والاكتفاء بوحدة وادي النيل..
ولد ابو العزايم في الخرطوم على الأرجح في نحو العام ١٩٢٨م وان تربى في ود مدني قلب الجزيرة الخضراء- رد الله غربتها وفك أسرها- وزامل فيها نخبة السياسة والفن والابداع، ومن اقرانه فيها الرئيس المشير نميري والأستاذ عبد العزيز شدو.. كان معجبا بالرئيس نميري ويقول انه رجل دولة من الطراز الأول ( يوقع حكم الاعدام بيد ويمسح دموعه باليد الأخرى) وعن شدو قال اذا كان الناس سيارات فان شدو القانوني العملاق الشجاع (قاطرة ديزل)!!!
ولعل مايجمع بين هذا الثلاثي انهم كلهم اولاد مدني و (مريخاب) حمر..
ولكن المدهش ان يكون ابنه صديقنا الصحفي الكبير مصطفى أبو مؤمن (هلالابي) .. في وقت كان فيه ابو آمنة حامد الهلالي القح يقول لابنه المريخابي لا يمكننا العيش تحت ظل واحد. وكان ابو العزايم يقول عن مصطفى لقد (ربيته ليكون صديقي وزميلي )..
كانت الحارة الأولى بالثورة تجمعا لعدد كبير ونادر من النجوم السودانية اللوامع فرقتهم دروب السياسة ومدارس الفكر و التدين وجمعتهم هذه الحارة الجميلة.. كنت تجد الشيخ ابوزيد احد زعماء طائفة أنصار السنة المحمدية إلى جوار الشيخ عبد الجبار المبارك العلامة الصوفي الكبير وتجد الاستاذ محمود محمد طه زعيم الجمهوريين وصاحب الفكرة الجمهورية.. وتجد ابو العزايم وابوبكر سرور وآخرين من اتحاديين وانصار وشيوعيين واخوان وأهلة ومريخاب وغيرهم، يعيشون في حارة واحدة في سلام وامان ويلتقون في افراحها واتراحها في صفاء ونقاء..
أن ما ميز الأستاذ ابو العزايم عن جيله الصحفي انه لم يضيع وقته في انتظار رحيل الانقلاب أو عودة الأحزاب بل ظل يكتب ويؤدي رسالته الصحفية في كافة العهود الوطنية.. معتبرا الكتابة مسؤولية وطنية والتزاما أخلاقيا تجاه القارئ السوداني .. والوطن . وشهادة للتاريخ.
ومثلما كتب لأغلب الصحف والمجلات في كل العهود فقد أنشأ ورأس تحرير عدد من الصحف.. ولكن كان من حسن حظ السودان وحسن اختيار نظام مايو تعيينه مديرا للإذاعة السودانية فهناك ابدع واجاد واوفى على الغاية وتستحق فترته في (صوت الأمة) ان تدرس وتكون موضوعا خصبا لطلاب الإعلام وطلبة الدراسات العليا
وكما رأس الإذاعة فقد رأس رحمه الله التلفزيون السوداني أيضا في أولى سنوات الإنقاذ وكان كالعهد به في كل موقع يخلد اسمه ويضع بصمته.
وكان من اوائل الذين كتبوا بإيجابية و استقلالية عن الانقاذ،
وقد ابتسم له الحظ عندما أعاد الاستاذان مصطفى أبو العزايم والهندي عز الدين وآخرين إصدار صحيفته اخر لحظة وعهد اللصحفي الراحل حسن ساتي برئاسة مجلس إدارتها واسماها ( عروس الصحافة السودانية)..
كان استاذنا ابو العزايم يقول لخلصائه ان في داخلي تدينا عميقا وحبا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.. ويورد قصة مؤثرة عن زيارة له إلى بغداد مع وفد سوداني كبير.. وتكاد الدموع تطفر من عينيه وهو يحكي قصة مرور الطائرة العراقية بسماء المدينة المنورة وكيف أنه نهض من مقعده واتجه نحوة مقصورة القيادة وقال لهم ان نافذة الطائرة لن تشبع شوقي لرؤية المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأريد ان أمتع ناظري برؤيتها من خلال الكابينة ولما اعترضه أمن الطائرة انخرط في نوبة بكاء حادة..
خرج ابو العزايم من مشفاه بساهرون معافي.. ولكن بعد عدة ايام نعى اليه الناعي صديقه الحميم محجوب باشري الكاتب الكبير و تلميذ الأستاذ العقاد عملاق الادب العربي.. بكاه بحرقه ثم عاوده الألم فطلب من احفاده ان يتلو عليه ماتيسر من سورة الرحمن.. ولما وصلوا للآية الكريمة ( ولمن خاف مقام ربه جنتان) كان يودع الحياة ويطلق آخر انفاسه.. وفي مثل هذا اليوم من العام ٢٠٠٨م رحل عن الدنيا
وبموته فقدت الحارة الأولى و امدرمان والصحافة السودانية علما من اعلامها الكبار..
و شجرة مثمرة في حديقة الصحافة والاذاعة والابداع.
شجرة تمناها في الدنيا ونسأل الله تعالى أن يبدله بها غابة من الأشجار والانهار والثمار على ضفاف الكوثر.

زر الذهاب إلى الأعلى