مقالات الرأي

وجه الحقيقية..- إبراهيم شقلاوي يكتب  – مؤتمر مصر حول سلام السودان

 

   قال لي صديقي الاعلامي العربي محمود الصنوان لم أتوقع إطلاقا أن ينتقل السودان ما بعد الاطاحة بنظام حكم البشير من مربع المناداة بالحريات العامة وسيادة حكم القانون والتحول الديمقراطي الي مربع الحرب.. التي تمثل ذروة سنام الفشل السياسي .. كنت اظن ان النخبة السياسية السودانية لها حصانة تاريخية وخبرة واعية ضد الأنزلاق نحو الحرب بما نعرفه عن تاريخكم السياسي.. الذي سبق بالتجربة عدد من البلدان في المنطقة العربية وأفريقيا.. كان الرجل يحدثني في حسرة والم وإشفاق علي ما آلت إليه الأحوال في بلادنا.. مع ذلك قلت: له تظل الآمال معقودة على العقلاء من حكماء بلادنا.. وهم كثر.. كما يقول التاريخ دائما هناك لحظة فارغة في تاريخ الشعوب تمثل عودة الوعي والنهوض من بين الركام المتكاثف.

 تابعنا في الأيام الماضية حدثين مهمات ابتدرتهما القوي السياسية السودانية على تباعد مواقفها.. الا أن استشعار المسؤولية يعد عملا جيدا.. حيث انعقد مؤخرآ بالعاصمة المصرية القاهرة مؤتمر جامع لعدد من الأحزاب والكيانات السياسية الذي شهد توقيع وثيقة تتضمن رؤيتها لإدارة الفترة التأسيسية الانتقالية في السودان والتي اظهرت موقفأ واضحا في دعم القوات المسلحة السودانية.

كذلك شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اول أمس إجتماع لقوى سياسية أخرى بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك تقول إنها ملتزمة الحياد تجاه الحرب التي تجري في السودان رغم توقيعها في وقت سابق بعد اندلاع الحرب لشراكة سياسية مع قوات الدعم السريع في ذات العاصمة أديس.. خلص مؤتمرها الي أهمية وحدة البلاد ودعا الي مائدة مستديرة لمناقشة كل القضايا التي افضت الي الحرب.. وقضايا أخرى.. الشاهد ان موقف هذه القوي لم يتغير كثيرا في حدته من غرمائهم في الساحة السياسية السودانية خصوصا الإسلاميين حيث اشترطوا عدم مشاركتهم في اي عملية قادمة تحت أي لافتة او عنوان.. واعتبارهم دعاة حرب.. بالرغم من أن الشواهد وافادات بعض الكتاب تؤكد انهم في 15 أبريل من العام الماضي كانوا يبحثون عن تغيير خشن عبر بندقية الدعم السريع.. لفرض الاتفاق الإطاري ودستور المحامين المدعوم من قوى اقليمية ودولية.. ترى ضرورة التخلص من الجيش و الإسلاميين بضربة خاطفة.. يعاد بعدها ترتيب الدولة السودانية بما يتوافق مع طموحاتهم في السيطرة على السودان وموارده الاقتصادية وثرواته.

استصحابا لكل ذلك وحرصا على وحدة البلاد يرى المراقبون ضرورة الدخول في عملية سياسية واضحة المعالم تسهل الانتقال إلى صناديق الانتخابات.. بعد أن باتت الساحة السياسية تقوم على قضبين متباينين في الرؤى والأفكار.

 ربما يجمعهم حوار سياسي جاد يفضي الي توافق وطني يقلل من حدة الصراع ويحقق السلام عبر انتاج مشروع هجين يقارب بين المشروع الوطني الذي تتبناه الكتلة الديمقراطية التي تمثلها الحركات والناظر ترك ومبارك الفاضل والاتحادي الأصل و آخرين.. وبين مشروع اخر تمثله كتلة تقدم التي يمثل طليعتها حزب الأمة والمؤتمر السوداني واحزاب اخري متحالفة معها.. هذا السياق يجعل الرؤية أكثر وضوحا..

كذلك هناك كتلة سياسية وازنه يجب الإنتباه لها أعلنت موقفها بوضوح بعد اندلاع الحرب وانحازت لصالح وحدة البلاد ومؤسسة الجيش وهي كتلة التيار الإسلامي العريض الذي تمثله عدد من الأحزاب الوطنية في الساحة السياسة منها ماهو حديث التكوين و التي أعلنت عن نفسها بعد الاطاحة بحكومة عمر البشير.. هذه الكتلة هي الأقرب لمجموعة التحول الديمقراطي التي تتصدرها الحركات حيث انها أعلنت منذ اللحظة الأولى انحيازها الواضح للقتال الي جانب الجيش و بدأت في استنهاض الشباب ومعاشي القوات النظامية وانخرطت بعد ذلك في تنظيم المقاومة الشعبية المسلحة.. حيث غيرت كثيرا من موازين القوي وساهمت في استعادة زمام المبادرة لصالح القوات المسلحة السودانية.

بعد أن تطاول أمد الحرب أطلت عدد من المبادرات لوقف الحرب أهمها المبادرة المصرية التي عرفت بمبادرة دول جوار السودان.. بعد أن فشلت مبادرة جدة على حمل قوات الدعم السريع للايفاء بما وقعت عليه من التزام وهو الخروج من الاعيان المدنية ومنازل المواطنين وتجميع القوات في معسكرات خارج العاصمة الخرطوم.

وفقا لكل هذه المعطيات اول امس أعلنت الخارجية المصرية ان جمهوريه مصر العربية تستضيف في نهايه شهر يونيو المقبل مؤتمرا يضم كافه القوي السياسية المدنية السودانيه بحضور الشركاء الإقليمين والدوليين المعنيين بهدف التوصل الي توافق بين مختلف القوي السياسية المدنية السودانيه حول سبل بناء السلام الشامل والدائم في السودان عبر حوار سوداني سوداني.. هذا الاعلان جاء في وقت دقيق جدا حيث يرى البعض ان الجيش السوداني بدا في احراز تقدم كبير في عدد من محاور القتال وبدأت الكفة تميل إلى صالحه.. خصوصا ان هذا الشهر شهد حرص جاد من قوات الدعم السريع للاستيلاء على مدينة الفاشر حاضرة ولاية جنوب دارفور التي تمثل العاصمة التاريخية لغرب السودان.. كان هدف الدعم السريع الاستيلاء عليها لسببين الأول تحسين وضعه التفاوضي في حال الدخول إلى مفاوضات جديدة يضمن من خلالها الابقاء على قواته بذات وضعها قبل اندلاع الحرب بجانب استرداد موارده ومؤسساته الاقتصادية التي تمت مصادرها بعد اندلاع الحرب لصالح حكومة السودان بجانب المشاركة في الحكم خلال الفترة الانتقالية المقبلة.. في حال لم يوافق الجيش علي ذلك يمضي تجاه الخيار الثاني وهو فصل إقليم دارفور الذي يسيطر عليه الآن.. على أربع ولايات من أصل خمسة وان كانت سيطرة محدودة لا تتجاوز الحاميات العسكرية.

فشلت جميع محاولات الدعم السريع لأسقاط الفاشر بل يرى عدد من الخبراء العسكريين انه مني بهزائم ساحقة جعلته يفقد عدد من القيادات الفاعلة و المؤثرة.. هذا بجانب هزائم ظلت تلاحق قواته في عدد من المحاور في الجزيرة والخرطوم وشمال كردفان.

 لذلك يرى المراقبون ان دعوة القاهرة لهذا المؤتمر في هذا التوقيت ربما تمثل طوق نجاة للجميع بجانب إنها جات في الوقت المناسب.. وحتي تمضي للإمام كان بالضرورة أن تسبقها ترتيبها مع الجيش الذي يرى بحسب معلومات عسكرية انه على وشك اخضاع قوات الدعم السريع التي تمردت عليه.

هذا بالنظر إلى الحديث عن الأنتقال إلى العملية السياسية قبل إنتهاء الحرب الذي ظل يرفضه الجيش في اوقات سابقة مشترطا الالتزام باتفاق الترتيبات الأمنية الموقع في جدة اولا ثم بعد ذلك الدخول في عملية سياسية واسعة لأجل التحول الديمقراطي وإقامة الانتخابات .

 بالرغم من ذلك في تقديري يمثل هذا المؤتمر مقاربة جديدة وهي مقبولة شكلا.. ربما هي ذاتها التي قال عنها المبعوث الأمريكي توم بيرييلو.. والتي توصل لها الجزائري رمطان العمامرة مبعوث الامين العام للأمم المتحدة.. هذا بالنظر إلى أن هذا المؤتمر يقوم على فرضية انتهاء العمليات العسكرية واخضاع الدعم السريع لأمر الترتيبات الأمنية التي تقر دمج القوات وتسريح اخري .. ثم بعدها يكون الطريق ممهدا لعملية سياسية واسعة لاتستثني احد من القوي السياسة التي تشكل المشهد السياسي السوداني.. هذا بالضرورة يعني تأخير كل الإجراءات المتعلقة بتسمية رئيس الوزراء او تشكيل حكومة حرب.. علي الاقل لدعم مصر في والوصول إلى حلول ممكنة تنتقل بالبلاد الي مرحلة جديدة.

 عليه يتوقع المراقبون ان تشهد الايام القادمة الاعلان عن موقف القوي السياسية السودانية من هذا المؤتمر من خلال عدد من التصريحات هنا وهناك ترحيبا بهذه الدعوة التي كما يبدو معارضتها تعني العزلة السياسية.. في حال تم إجماع حول المؤتمر وقدمت كافة الضمانات لإنجاحه.

في السياق برز تحدي كبير امام مؤتمر القاهرة المرتقب فقد أصدرت الخارجية السودانية بالأمس بيانا رحبت فيه بالدور المصري واكدت على أهمية مصر في المساهمة في وقف الحرب انطلاقاً من العمق الاستراتيجي الذي ظلت تمثله مصر للسودان.. وقالت الخارجية ان مصر هي الأقدر على المساعدة على الوصول لتوافق وطني جامع بين السودانيين لحل الأزمة الراهنة. ولذا فإن الدور المصري في هذا الخصوص مطلوب.. كما اوضحت ان نجاح المساعي المصرية يتطلب.. أن يكون هنالك تمثيلاً حقيقياً للغالبية الصامتة من الشعب السوداني، ممن سفكت دماؤهم وانتهكت أعراضهم ونهبت ممتلكاتهم وهجروا قسريا، والذين تعبر عنهم المقاومة الشعبية.. و أن يكون أساس المشاركة التأكيد على الشرعية القائمة في البلاد، وصيانة المؤسسات الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة، ورفض إضعافها أو التشكيك فيها.. كما طالبت الخارجية السودانية بتوضيح من هم الشركاء الإقليميون والدوليون الذين سيحضرون المؤتمر وحدود دورهم.. خاصة وأن المؤتمر يقصد منه الوصول لرؤية سودانية خالصة.

كذلك قالت لن يكون مقبولاً للشعب السوداني أن يحضر المؤتمر رعاة( مليشيا الدعم السريع الإرهابية) كما سماها البيان الذين يواصلون إمدادها بالأسلحة الفتاكة لقتل الأبرياء وانتهاك الأعراض.. في إشارة حسب مراقبين إلى دولة الإمارات التي تقدمت حكومة السودان بشكوي ضدها في مجلس الأمن مطلع الشهر الجاري تترقب النظر فيها.. كذلك أشار بيان الخارجية الي دول اخري ضالعة في تسهيل مرور السلاح لقوات الدعم السريع وفي ذلك إشارة إلى تشاد وأفريقيا الوسطي.. ودول اخري.. كذلك تمسك بيان الخارجية.. بعدم مشاركة الاتحاد الافريقي وإيغاد ما لم يسبق ذلك بدء خطوات فعلية لرفع تجميد نشاط السودان بالمنظمة القارية.. وأن تصحح إيغاد موقفها الذي ينتهك سيادة السودان، حتى تكون محل ثقة الشعب السوداني.. كما أكد على ضرورة ان لايتحاوز دور أي أطراف إقليمية أو دولية ستحضر المؤتمر دور المراقب وضرورة تأكيد دعم المجتمع الدولي لما يتوصل إليه المشاركون.

 

 هذا الموقف يعتبر جيد واتوقع مصر بثقلها الإقليمي والدولي قادرة على تحقيق سلام السودان من خلال أحداث مقاربة وفقا لهذه المطلوبات التي تقدمت بها الخارجية السودانية.. بالرغم من ذلك يظل السؤال المهم هل نشهد وحدة واستشعار للمسؤولية من قبل الأحزاب السودانية وهل نشهد طرح وطني حقيقي .. بعيدا عن التأثيرات الاقليمية والدولية.. ارجو ذلك كما يرجوه كل الشعب السوداني الذي لن يرضى بنصف انتصار .

دمتم بخير وعافية. Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى