أعمدة الرأي

الفريق الدكتور هاشم علي عبدالرحيم يكتب بالقلم السائل اللواء/عبدالهادي مصطفي النصيح عام علي الفراق المر

 

كان ذلك في بداية العام ثلاثة وثمانين وتسعمائة والف من القرن الماضي ، عندما تمت دعوتنا لحفل عشاء بميس ضباط الشرطة بكوستي ونحن بعد طلبة في كلية الشرطة وقد حضرنا للتو لمديرية النيل الابيض لقضاء الفترة التدريبية العملية النهائيه والمخصصة لاعمال الضابط المناوب (كورس الضابط النبطشي).. كان الحضورُ جميلا وبهيا، يتقدمه القاضي المقيم ومدير شرطة المديرية وضباط الشرطة والسجون ، وضباط الصف في رتبة المساعد الذين كان من بينهم خالي الصول علي محمدالحسن نوري الذي عرفني بضباط السجون وكانوا ثلاثة او اربعة لا اذكر. الا انه كان بينهم النقيب عابدين مكي وهو من اقربائي والملازم اول الهادي النصيح ، الذي كلف لاحقا بإطلاعنا علي اعمال السجون ، كان ذلكم هو لقائي الاول به والذي لم يبارح مخيلتي حتي يومنا هذا بقوامه الممشوق وطلعته البهية وذكائه المتقد ومظهره المثالي .حتي التقيته بعدها بسنوات في امسية اخري في الكلاكلة القبة في منزل الشقيق الاكبر لزوجتي يوم عقد قراني حيث تعرفت عليه كابن عم لزوجتي وعديل لي انا شخصيا.. وفرحت به ايَّما فرح حتي انني ظللت – والى يومنا هذا – اقول لزوجتي إن الفائدة الوحيدة التي جنيتها من زواجي بها – بعد نعمة الولد واخوتها الكرماء و علاقتي التي تجاوزت الزمالة واضحت اسرية كاملة الدسم مع الوجهاء القدوات – الهادي النصيح وبدرالدين صديق والكوة عروس النيل الابيض ونجمة الحواضر السودانية كوطن مضاف بإنسانه ونيله و صباحاته ولياليه

السيد اللواء النصيح الذي ولد في العام سبعه وخمسين وتسعمائة والف ، بمدينة الكوة تخرج اوائل العام ثمانين وتسعمائة والف في كلية السجون ، وكان من اوائل الدفعة 11 والتي ضمت اعلاما وقادة افذاذا عملنا تحت امرتهم وكانوا غاية في التميز والابداع ومنهم القانوني الضليع والاداري الفذ، عمادالدين حسن، والقائد المحنك – الذي لم يكن لدينا ادني شك في انه يمتلك الحاسة السادسة – ابوعبيدة سليمان، والاديب الاريب والاعلامي الشامل السر احمد عمر، الذي قضيتُ سنينَ طوالًا عاملا تحت امرته ، و جميعهم كانوا يحملون لدفعتهم النصيح الكثير من الود وكانوا يحكون عنه اشياء لاتُنسى ايام الدراسة بالكلية، ومنها انه عند زيارة مدير عام السجون السيد احمد وادي حسن للكلية طلب من معلم الميدان الذي اظهر تفوقا في (البيادة) مع الطلبة عند التدوير بالخطوة المعتادة (صفا وانتباه ومعتدل مارش والدورانات كلها ) طلب سعادته ان يشاهد مدى اجادة الطلبة للخطوة البطيئة، وهنا رفع الطالب النصيح يده و قال بعد ان اُعطيَ الاذن : (سعادتك الخطوة البطيئة دي ما ادونا ليها) وهنا جُن جنون (التعلمجي) الذي قال للمدير العام : (بعد كدا سعادتك الا الحاجة بعد نديها ليهم يوقعوا لينا عليها) وكانت هذه (الكلتشة) النصيحية سببا في (طوابير ذنب) جماعية استمرت لعدة ايام . ومن الاشياء التي كانت تؤخذ عليه من زملائه الطلبة هي انه لا يكذب ، و لا يتبرع باية معلومة من تلقاء نفسه حتي اذا سأل من شئ يستحق العقاب فعله هو او احد الزملاء او الدفعة كلها فانه يحكي ماحدث بدون تردد او خوف او وجل حتي انه سأل ذات مرة عن الذين يتسورون الحائط الغربي للكلية فقال : (كلنا يا فندم) وكانت طامة كبري علي الدفعة برمتها .وصدق السيد النصيح هذا مع امانته وعدم خشيته من قول الحق كان السبب الاساس في رفته من الخدمة وهو في اوج عطاءه في العام 2004 بسبب خلاف مع والي الولاية ومدير الشرطة موضوعه اظهار الوضع في سجن الابيض العمومي علي غير حقيقته خلال الزيارات التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني والمسؤولون المركزيون الكبار، ويقال إن تقريره كتب فيه انه مميز اداءً وخلقا ويؤدي واجباته علي اكمل وجه الا انه عنيد ومعتد جدا برأيه ، و (راسو كبير) . ونحن ايضا اليوم نقول ذلك فقد كان الهادي وحتي لحظة وداعه المر في مدينته وحبيبته الكوة صباح الاربعاء السابع من يونيو للعام ثلاثة وعشرين والفين ، كبيرا في كل شى ، كبيرا في تراحمه وكبيرا في توادده وكبيرا في تعامله مع الناس كل الناس، وكبيرا جدا في حبه للعشيرة والاهل ،والاحباب ، لقد كان الهادي تقيا، نقيا، عابدا، صادقا، يختم المصحف كل عشرة ايام ويصلي اوقاته كلها في المسجد .واذكر انني ذهبت للقائه ذات يوم حيث كان يعمل في دلالة العربات لبيع عربتي الكوريلا واستبدالها بموديل احدث فجمع زملاءه وقاموا بتفتيشها ولم يجدوا فيها عيبا وكادوا يقيمونها بسعر ممتاز لولا انه قال لهم (عشان ما تقولوا لعبنا عليكم وكدا ياجماعة العربيه دي ماخدة شريط وضهريتا مسمكرة) واسقط في يدنا انا والاخ المساعد نقد وغادرنا دون ان ننبس ببنت شفه ، الا انني قلت له لاحقا (انتا يالنصيح العربيه دي كسرتها وسمكرتها انا ولا اشتريتا كدا) ولا اذكر ماذا كان رده ! ولكنه لم يستمر في ذلكم السوق الذي لا يصلح لامثاله الا اشهر معدودات ، وغادره هو وغيره من الاعمال الي وظيفة مع القريب الصديق الفاضل الكريم المعز عبدالقادر .* 

*لقد كان الهادي لنا جميعا كأسرة المأوى الذي نلجأ اليه دون تردد وفي كل الاوقات ، وانا شخصيا كنت – ولا ازال – محتضنا في بيته وقد تنقلت معه اسرتي في كل مدن السودان ،وتربي ابني محمد تحت رعايته وفي كنفه اكثر مني ومع هذا كان محمد وهوصغير لم يبلغ بعد الخامسة ينحاز لمعسكري في المسائل الخلافية ومن الطرائف ان سعادته كانت قد اهدته ابنة اخته الجميلة الشفيفةهنادي كروم حذاءً مستوردا، وكنت انا معجب به وارتديه غالبا في مناسباتي ، وشاهده محمد ينتعله في مناسبة جامعة وقال له مباشرة وعلي رؤوس الاشهاد (الشبط دا حق ابوي) ، الامر الذي كاد يكلفنا (طردة) تاريخية لولا سعة صدره وحلمه الكبير.. تقاسمت معه بيته في مدني وزالنجي والابيض وحتي بعد تقاعده للمعاش وشرائه لمنزل بضاحية الكلاكلة اقمت معه باسرتي واذكر انه التقي دفعتنا اللواء الرضي علي عمر في السوق العربي وكان الاثنان قد تزاملا في عروس الرمال ودعاه لتناول الافطار معه يوم الجمعه، وسأله الرضي عن موقع المنزل ، وما ان قال له بداية شارع الشيخ النذير حتي قاطعه الرضي : (وين لي بيت دفعتنا هاشم علي) ؟ ورد الهادي رحمه الله ، (هاشم علي بتين سوي ليهو بيت ذي الرجال ،البيت بيتي انا ، ومادام سويتو بيتو العزومة ذاتا خليناها) . كان الهادي جميلا في كل شئ ، وديمقراطيا شوريا في بيته لا يفعل شيئًا حتي يتفق عليه تماما مع اهل بيته ونحن معهم. كان صديقا لابنائه ، ورقيقا حنونا مع زوجته لاتفارق ردوده لها الطرفة والاستهزاء اللذيذ.. اذكر انها سألته مرة عن غرض يفترض ان تحضره احدى الجارات في يوم خريفي بزالنجي وكانت هذه الجارة قصيرة جدا ونحيفة فقال :(نعم ! جات وشلتها في صفحتي دي عديتا الخوير القدامنا دا) . كان عاشقا للكوة ومتيما بها حتي انك لا تجده الا ذاهبًا اليها اومقيمًا فيها اوعائدًا منها. واذكر اننا كنا قد تخلفنا انا وهو من السفر للكوة لقضاء عطلة اعياد الفداء وقد سبقتنا الاسرة كلها الي هناك بإيام ،وتحركنا صوبها صبيحة يوم الوقوف بعرفة حيث توقفنا في (سوق اللفة) لاخذ بعض الاغراض وهناك ابتسم (مركوبه) وفارق خيوطه ،ولاننا كنا في عجلة وان(المركوب) نفسه (لايستحق) فقد اشترينا بديلا فوريا وهممت انا بالقاء القديم، الا انه انتهرني قائلا :(الداير تجدعوا دا بنلقى ليهو زول في الكوة ) وقد صدق حدثُه، حيث وجدناه صبيحة يوم العيد مخاطا ومدهونا مصطفا مع احذية المصلين في ميدان صلاة العيد .*

*في يوم رحيله المر صلي الفجر في المسجد وعاد ليشرب الشاي مع ابن عمه ورفيقه وعديله بدرالدين ثم غادرا سويا الي حيث يشربان القهوة في مقاهي الشارع السفري الرئيس بالكوة، وهناك تحدث مع ابنه علي المقيم في امريكا لنحوٍ من نصف ساعة، وبعدها شعر بطعنة في جنبه الايمن تقيأ بعدها واخذ الي المستشفى القريب، حيث اسلم الروحَ الي بارئها في هدوء بين احضان ابنته الكبرى، الدكتورة ريان وفي حضور الاهل جميعا بلا تأريخ مرضي ولا شكوى من اي سقم حتي انه اكمل كافة اجراءاته الخاصة بحج البيت الحرام الذي لم يكن يفصله عنه الا تحديد موعد السفر.. غادر هذه الفانية في الساعة التي لن يؤخرها المولي عز وجل القائل في محكم تنزيله (ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها والله خبير بما تعملون) . غادر الهادي الجميل الهاش الباش ،الفارس الكريم ، غادر النصيح (الحليو) الذي لا شك عندي ان النيل فاض قبالة اليس الجميلة من غزارة دموع النائحين يوم رحيله ،غادر الهادي الذي يعد الاصلاحي الاول والاكثر رأفة علي المسجونين واهليهم في السودان، حتي انك تري (المضمون) متدثرا في صالونه وتحسبه من اهل البيت.. غادر الهادي الذي كان حليب بقراته وخراجه كله متاح للطالبين.. غادر الهادي الذي كان يمثل لي – شخصيا – الكثير الذي لاتتسع هذه الوريقات لاحصائه.. غادر النصيح الفسيح الذي لاشك عندي انه المقصود بقول الشاعر

:فقدناك فقدان السحابة لم يزل لها اثر يثني به السهل و الوعر مساعيك حلي لليالي مرصع وذكرك في اردان ايامها عطر

 

اللهم انا نشهد بانك انت الله الواحد الاحد الحي الصمد الذي لم تكن له صاحبة و لم يتخذ ولد يامن قلت وقولك الحق الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون .وهاهي مصيبة الموت اصابتنا في حبيب غال ليس عليك بعزيز وانا لفراقه محزونون محزونون ولا نقول الا مايرضيك ونسألك يا معطي ياعزير يارحيم ان تبدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من اهله ، وادخله الجنة بغير حساب معاملة منك بما انت أهل له اللهم اجزه عن الإحسان إحسانا وعن الإساءة عفوا وغفرانا إن كان مسيئا فتجاوز عن سياته وإن كان محسنا فزد في احسانه وانزله منزلا مباركا وانت خير المنزلين واجعله مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار وافسح له في قبره مد بصره وافرش قبره من فرش الجنة.. اللهم إنا نشهدُ بانه كان يشهدُ بانك انت الله لا إله إلا أنت وان محمداً عبدُك و رسولك وانت أعلم به منا.. نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك أن ترحمه ولا تعذبه وقد نزل عندك وانت خير المنزلين ، وأضحي فقيرا الي رحمتك وانت غني عن عذابه فارحمه تحت الارض واستره يوم العرض ولا تخزه يوم يبعثون ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم ٍ)اللهم يمن كتابه ويسر حسابه وثقل بالحسنات ميزانه وثبت على الصراط اقدامه واسكنه في اعلي الجنان بجوار حبيبك ومصطفاك(صلي الله عليه وسلم ) اللهم امنه من فزع يوم القيامة ومن هولها واجعل نفسه آمنه مطمئنة واجعل عن يمينه نورا وعن شماله نورا ومن خلفه نورا ومن امامه نورا حتي تبعثه امنا مطمئنا في نور من نورك وانظر اليه يا الله نظرة رضا، فإن من تنظر اليه بنظرةِ الرضا، فقد فاز.. اللهم انه جاء ببابك واناخ بجنابك فجد عليه بعفوك واكرامك وجودك واحسانك.. اللهم إن رحمتك وسعت كل شئ فارحمه رحمة تطمئن بها نفسه وتقر بها عينه واحشره مع المتقين الاخيار يوم تحشر المتقين وفدا واجعله من الذين سعدوا في الجنه خالدين فيها ما دامت السماوات والارض وشفع فيه نبينا ومصطفاك واحشره تحت لوائه واسقه من يده الشريفة شربةً هنيئه لا يظما بعدها ابدا … اللهم اجعله في جنةِ الخلد التي وعدت عبادك المتقين بها وكانت جزاءً ومصيرا.. اللهم نحسب انه كان مصليا لك فثبته علي الصراط يوم تزل الاقدام وانه كان صائما لك فادخله من باب الريان وانه كان تاليا لكتابك وسامعا له فشفِّع فيه القرآن وارحمه من النيران واجعله يا ارحم الراحمين مرتقيا في اعلي الجنان…اللهم إنا نتوسل بك اليك ونقسم بك عليك أن ترحمه وترحمنا وترحم امواتنا و أموات المسلمين جميعا…اللهم الزم زوجته المكلومةَ و ولديه، علي والمبارك وبنتيه ريان وريم واخوانه واخواته واهله وعشيرته واصهاره الصبر الجميل واجعل البركة في ذريته يا اكرم الاكرمين ويا ارحم الراحمين ٠٠٠٠ واعزى نفسى وكل اهل الكوة وكل من له صلة ومعرفة بفقيدنا العزيز الذي نشهد بانه كان صالحا تقيا محسنا فاضلا نقيا و مسامحا و طيب القلب بارا باهله واصلا لرحمه فجازه اللهم عن كل هذا خير الجزاء.. وصلِ اللهم وسلم علي خير من وطئ الارض واعظم من دفن فيها سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد عليه افضل الصلاة واتم التسليم وآخر دعوانا انِ الحمد لله رب العالمين .

فريق شرطة دكتور

هاشم علي عبدالرحيم

زر الذهاب إلى الأعلى