ناهد قرناص ،، تكتب… صورة ..ابيض واسود

بين اشياء كثيرة (مركونة) وجدت صورة لي ..اعتقد انني كنت في المدرسة المتوسطة .. أقرأ كتابا ما ..ضحكت من نفسي ..يبدو ان القراءة كانت ديدني من (بدري) ..تذكرت أنني اعلنت جازمة ليلة اخر امتحان في كلية العلوم البيطرية (ان شاء الله اتخرج من الجامعة ..تاني القراية دي الا يافطة ولا اسم شارع ..) ..لكني غرقت فيها حتى اذني ..لله الحمد من قبل ومن بعد.
في الصورة ..كنت مستلقية على سريري ..يدي على الحائط ..الذي كان مكتوبا عليه كلمة تذكار ..ثم كتابة صغيرة ناعمة لا تكاد تظهر ..ربما شخبطها شقيقي الأصغر مصطفي ..لكي يثبت حقه في التواجد في غرفة لا تخصه ..السرير كان بالقرب شباك غرفتنا …انا ونادية اختي ..شبابيك صغيرة بها فاصل من المنتصف عرضيا ..يمكنك فتح الجزء الأعلى ..او الاسفل ..حسب درجة الحرارة ..ولا تخشى ان يطلع المارة علينا ..اذ ان السلك المزدوج يجعل الرؤية مشوشة لمن بالخارج ..و من الداخل كنا نشاهد المارة من خلف تلك الحجب …
كنا نسمع (ونسة) اولاد حلتنا تحت العمود بالقرب من بيت جيراننا ناس الشيخ الولي رحمه الله ..ونضحك لتلك القفشات والملاسنات التي يطلقونها على بعضهم البعض ..ذات مرة قال احدهم وكان قد اتى من الخرطوم قريبا ..كان يحكي لهم ان الجديد في الخرطوم زجاج للسيارات يجعلك لا ترى من بالداخل لكنه يراك ..قال لاصدقاءه (زي شباك ناس قرناص ..تراني ولا أراك) ..
ما الذي تفعله فينا صور الأبيض والأسود؟ تفتح فينا نوافذ الشوق لاوقات لن تعود ؟ قرأت في مكان ما ان (الصورة محاولة (يائسة) لتثبت لحظة ما ….نعدها ثمينة في وقتها) ..لا اعتقد انها محاولة يائسة ..الذي يحدث انك تستشعر قيمة تلك اللحظة بسيول الحنين التي تجتاح قلبك ..فينتابك احساس جميل بأنك تحلق خفيفا عبر الزمن ..متحررا من قيود الزمان والمكان ..وتحس انك عدت بالفعل الى هناك
زمان كانت الاستديوهات لها هيبتها ..يذهب اليها الناس بعد ان يكونوا اكملوا استعدادهم ..في عطبرة كانت هناك استديوهات كثيرة ..اشهرها استديو الرشيد مهدي واستديو النصر ..كانت الصورة تأخذ عدة ايام للاستلام ..مما يعني عدة مشاوير ..مشوار للصورة .ومشوار للاستلام ..وربما اخبرك صاحب الاستديو ان الصورة (حرقت) ..مما يعني ان يعوضك باخذ صورة بديلة مجان ..ربما كثرة (المشورة ) هذه خلقت عندي حاجزا نفسيا من الذهاب للاستديوهات للتصوير ..ومن ثم صرت اتململ من الصور والتصوير عموما .
.اذكر اننا كنا دائما ما نتغامز حول فتاة تسكن قريبا منا في الحي ..كانت دائما ما ترتدي ملابس غريبة ..مرة تلبس هندي ..احيانا تجدها تضع قبعة ..او قفازات طويلة كالافلام الاجنبية ..وكانت تضع مساحيق كثيرة على وجهها …في ذلك الوقت كان مستغربا وضع المكياج الا للعروس يوم الزفاف ..وربما حتى الان يتميز جيلنا بالفشل الذريع في معرفة انواع المكياج وطرقه ..المهم كانت تلك الفتاة (تتصور) كثيرا ..دائما في حالة ذهاب الى الاستديو أو العودة منه ..تجد معها صورا لها وهي تحمل سماعة الهاتف الثابت التقليدي (دي وضعية مهمة جدا في ذلك الزمن ) ..او تحمل وردة ..او ترتدي الساري الهندي ..
كنت استغرب دائما في هذا المزاج الغريب ..لكنني اليوم احسدها على تجسيدها لذكرياتها واحتفاظها بصور لاوقات لن تعود مرة اخرى ..ربما هي الآن تحكي لأولادها عن تلك الأيام وتريهم صورها المتعددة ..عكسي انا ..خاوية الوفاض ..صفر اليدين ..انا كما قال الشاعر الراحل مصطفى سند (ماذا أقول ؟ اشاكس الكلمات ؟ لا ادري ..فلا خيل لدي ..ولا ذهب)


