عمر محمد عثمان يكتب قصور فهم القوى السياسية والمدنية لتحديات الشرطة السودانية وأثره على عملية الإصلاح ..!! (1-3)

تواجه الشرطة السودانية تحديات كبيرة تتطلب إصلاحًا وتطويراً وتحديثاً، غير أن القوى السياسية والمدنية تُظهر قصورًا في فهم هذه التحديات. ينعكس هذا القصور في طرح رؤى غير متخصصة، وفي خطابات عدائية تجاه الشرطة، تعمّق الفجوة بين المؤسسة الشرطية والقوى الفاعلة. وبينما يُفهَم الغضب الشعبي تجاه أداء الشرطة باعتباره نتاج التراكمات السابقة، إلا أن الخطاب العدائي من القوى السياسية والمدنية لا يسهم في الإصلاح بقدر ما يزيد من تعقيد المشهد، مما يعيق بناء مؤسسات أمنية فاعلة تساهم في تعزيز دولة القانون.
أهمية إشراك الشرطة في عملية الإصلاح :
أي عملية إصلاح فعّالة يجب أن تنطلق من داخل المؤسسة الشرطية نفسها، حيث يتمتع العاملون في الشرطة بخبرة ميدانية تؤهلهم للمساهمة في تحسين الأداء. إن تجاهل هذه الخبرات وفرض أجندات من الخارج محكوم بالفشل، فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى توفير بيئة عمل مناسبة وتدريب مستمر للعاملين، إضافة إلى نظام منهجي لتقييم الأداء. إقصاء الشرطة من عملية الإصلاح أو فرض رؤى غير مهنية يجعل هذه الجهود غير فعالة. ولذلك، لا بد من أن تكون الشرطة شريكًا رئيسيًا في صياغة وتنفيذ خطط الإصلاح. هذا يتطلب بناء الثقة بين الشرطة والقوى السياسية، بعيدًا عن المصالح الحزبية الضيقة التي قد تُضعف العملية برمتها.
الابتعاد عن الأجندات الحزبية في الإصلاح :
للأسف، تستغل بعض القوى السياسية والمدنية مطالب الإصلاح لتمرير أجندات حزبية تهدف إلى السيطرة على الشرطة، ما يعمّق الهوة بين الطرفين. من المهم أن تركز هذه القوى على تقديم الدعم التشريعي والمالي واللوجستي للشرطة، بدلًا من التدخل في التفاصيل الفنية التي لا تملك الخبرة الكافية للتعامل معها. الإصلاح الناجح يتطلب تحديد أدوار واضحة لجميع الأطراف: فالجهات السياسية مسؤولة عن توفير الدعم اللازم، بينما يقع على عاتق الشرطة تطبيق الإصلاحات بطريقة مهنية تضمن الاستقلالية والحياد.
تحسين ظروف العمل كجزء من الإصلاح :
لا يمكن الحديث عن إصلاح الشرطة دون معالجة أوضاع العاملين فيها. تحسين الرواتب والامتيازات ضروري لضمان حماية أفراد الشرطة من الضغوط المالية والسياسية التي قد تؤدي إلى الفساد. يتطلب ذلك التزامًا حكوميًا لضمان الاستقلال المالي للشرطة، بحيث تكون قادرة على أداء مهامها بكفاءة وشفافية بعيدًا عن أي تأثيرات خارجية.
الإصلاح بين المهنية والتغيير السياسي :
الإصلاح الشرطي ليس مجرد تحسين تقني داخلي؛ بل هو أيضًا عملية سياسية تتطلب إرادة قوية لضمان استقلالية الشرطة وتحريرها من التسييس. أي تدخل سياسي في عمل الشرطة يجب أن يكون محكومًا بإطار قانوني واضح يحمي المؤسسة من الاستغلال. على القوى السياسية تقديم تشريعات تدعم مساءلة الشرطة، دون أن تتحول هذه المساءلة إلى أداة للضغط أو الابتزاز. يجب أن تبقى الشرطة مهنية في أدائها، مستقلة عن الأجندات الحزبية، وقادرة على التكيف مع التحديات الأمنية المتزايدة. يتطلب ذلك تعزيز قدرات الشرطة في مكافحة الجريمة وحفظ الأمن، مع تحسين علاقتها بالمجتمع من خلال التواصل الإيجابي وإظهار التزامها بخدمة المواطنين.
الاستفادة من خبرات المتقاعدين :
يمثل المتقاعدون موردًا استراتيجيًا مهمًا في عملية الإصلاح، حيث يمكنهم تقديم رؤى بنّاءة استنادًا إلى خبراتهم الطويلة. يمكن للشرطة الاستفادة من هذه الخبرات في برامج التدريب، وتحسين الأداء الميداني، وتعزيز الشفافية والمهنية. إن دمج المتقاعدين في عملية الإصلاح يعزز الثقة بين الشرطة والمجتمع ويضمن استمرارية العمل المؤسسي.
تحسين العلاقة بين الشرطة والجمهور :
تعد العلاقة السلبية بين الشرطة والجمهور أحد التحديات التي يجب معالجتها في أي مشروع إصلاحي. يعاني العديد من المواطنين من انعدام الثقة في الشرطة بسبب تصرفات سابقة وأخطاء فردية، إضافة إلى الخطاب السياسي الذي يصوّر الشرطة أحيانًا كأداة للقمع. لا يمكن للإصلاح أن ينجح دون معالجة هذه العلاقة المتوترة. يتطلب ذلك حملات إعلامية لتسليط الضوء على النجاحات التي تحققها الشرطة، وتعزيز التواصل مع المجتمع لتغيير الصورة النمطية السلبية. يجب أن تدرك الشرطة أن بناء الثقة مع المواطنين جزء أساسي من تحقيق الأمن المستدام.
الخاتمة :
إصلاح الشرطة في السودان ليس مهمة سهلة، لكنه ضرورة لا غنى عنها لتحقيق الأمن وبناء دولة القانون. النجاح في هذه المهمة يتطلب تكاملاً بين مختلف الأطراف: الشرطة نفسها، المتقاعدين، والجمهور، بالإضافة إلى الجهات السياسية. يجب أن تُبنى عملية الإصلاح على أسس مهنية بعيدًا عن المصالح السياسية، مع تعزيز استقلالية الشرطة وضمان مساءلتها في إطار قانوني عادل. بتحقيق هذا التوازن بين المهنية والتغيير السياسي، يمكن بناء مؤسسة شرطية قوية قادرة على مواجهة التحديات والمساهمة في بناء مجتمع آمن ومستقر.
١٣ أكتوبر ٢٠٢٤م
يتبع…. ⬅️


