أعمدة الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب دار أبوك كان خربت شيل ليك منها شلية…!!

 

لطالما كان للأمثال الشعبية دورٌ كبير في نقل تجارب الماضي ومواقف الحياة، لكن بعضها يحمل بين طياته رسائل سلبية تسهم في تكريس مفاهيم خاطئة. ومن هذه الأمثال السودانية “دار أبوك كان خربت شيل ليك منها شلية” أو كما يقال في رواية أخرى “شيل ليك منها عود”. مثلٌ يبدو بسيطاً في معناه، لكنه يعكس فلسفة خطيرة تشجع على الانتهازية بدلاً من التعاون والإصلاح.

 

حين تصبح الأزمة فرصةً للنهب، الحرب التي تمر بها بلادنا أظهرت وجهًا آخر لهذا المثل. ففي بعض المناطق، رأينا تصرفات تُجسد هذه العقلية بحذافيرها. هناك من استغلوا حالة الفوضى والانهيار العام ليحولوا الأزمة إلى فرصة للسرقة والنهب. بعض الجيران، وبعض سكان الكنابي، بل وحتى بعض سكان ألاحياء غير المخططة، اختاروا طريق الأنانية والتخريب. بدلاً من التكاتف ومواجهة الأزمة بروح جماعية، قرروا أن “الدار قد خربت”، فتحولوا إلى لصوص وشفشافة ينتهكون حرمة ممتلكات الآخرين. هذه السلوكيات لا تعكس فقط انهياراً أخلاقياً، بل تكشف أيضاً عن غياب الوعي والقيم التي يفترض أن تُرسخها الأسرة والمجتمع والدولة.

 

دور الدولة والمجتمع في مواجهة الفوضى،ليس من السهل مواجهة هذه العقلية السلبية، لكن الحل يبدأ من الاعتراف بالمشكلة. هنا يأتي دور الدولة وأجهزتها الأمنية في ضبط الأمن ومنع الانفلات. كذلك، يجب أن يكون للمؤسسات الدينية والتعليمية دورٌ أكبر. خطب الجمعة، المناهج الدراسية، وحتى الأنشطة الاجتماعية، يمكن أن تُستخدم لترسيخ قيم التعاون والإصلاح.

 

علينا أن نُعلِّم أبناءنا أن الأزمات ليست فرصة للأنانية، بل لحظة للتكاتف والعمل الجماعي. هذا التغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه ممكن إذا تكاتف الجميع: الدولة، المؤسسات، وحتى الأسر.

 

نبذ ثقافة التخريب “دار أبوك كان خربت شيل ليك منها شلية” ليس مجرد مثل، بل انعكاس لعقلية تُعزز الفوضى والانهيار. في زمن الأزمات، يجب أن تكون رسالتنا واضحة: الأزمة ليست مبرراً للخراب، بل فرصةً للوقوف معاً. برغم كل الصعوبات التي نمر بها، ما زال أمامنا أملٌ كبير في بناء مجتمع أكثر وعياً واستقراراً. فقط عندما نتخلى عن مثل هذه الأمثال التي تُكرس الانتهازية ونستبدلها بقيم التكاتف، يمكننا أن نصنع مستقبلاً أفضل لبلادنا.

 

٣ يناير ٢٠٢٤م

زر الذهاب إلى الأعلى