أوراق نازك الشوش تكتب “أصحاب القلب الفسيح “

الحياة غريبة جداً تارة تجمعنا بأشخاص نود ولو أننا لم نلتق بهم يوماً ،وتارة أخرى تجمعنا ب أُناس من فرط طيبتهم ،نود ولو نقضي بقية عُمرنا معهم وبجانبهم، أنا أعلم جيداً أن كل من سيقرأ كلماتي سيفصح قائلاً ( الطيبين كلهم ماتو مافي زول طيب في الزمن دا ) سأرد بعفوية أنه وإن قلت الطيبة على الأرض ولكنها حتماً موجودة وأنا هنا لا أتكلم في المجهول ، بل بحديثي هذا سأخص ( أسرة محمد حمصوص ) قد يعتريكم إعتقاد بأنني أكتب كلماتي هذه (كعربون محبة لهم ) ولكن حتى من لا يعرفهم ما إن يلتقي بهم للوهلة الأولى سيدرك ما أقول جيداً ، فوالله إن كلِ كلمات اللغة العربية لا تكاد تُعبر عنهم ، فأنا بين الحين والأخر يجتاحني شعور الإنبهار أن ( الأهل والأقارب وكل من تجمعنا به صلة قرابة هم الأحن والأرحم وهذا حتماً صحيح ولكنني أتعجب من أن تأتي الرحمة والحنية مِن من لا تجمعنا بهم أي رابطة دم سوى صُحبة عمرها سنين ) ولأن ( حلفا) كانت محل عمل والدي إلتقى بهم وكون علاقة صداقة متينة أمتدت حتى يومنا هذا ، لم ينقطعوا عنا حتى بعد أن مات والدي ، فتفاصيله ما زالت خالدة بينهم لذالك أنا أومن جداً ( بإستمرار الصداقة حتى بعد الموت ) أسمعها على لسان الكثيرون ولكن قِلّة ما أراها على أرض الواقع .( عمو محمد ) أطال الله في عمره لم يقطع الود الذي جمعه مع والدي حتى بعد مرور 14 عاماً من وفاته، فقد أصابني الذهول حتى رجفت يداي عندما أخبرني أنه وبعد مرور هذه السنوات ما زال يحتفظ برقم هاتف والدي على هاتفه فلم ينطق لساني بحرف واحد لأنه لا يدري ماذا يقول وبمعنى أخر ( غلبني التعبير ) .
لفظ ( عمو) أصبحت ( موضة العصر ) تُنطق مثلها كمثل أي كلمة عابرة حتى وإن لم تكن هنالك علاقة العم الحقيقية ، أما نحن فحاشاه ما ذكرناها تبعاً للموضة وإن لم تكن تجمعنا به علاقة العم الحقيقية إلا إنه يستحق الكلمة بحب، فهو العم الأول والأب الثاني ،نعم هو العم الذي تركه لنا أبي والأب الذي أخذ مكانه فمنذ دخول الحرب لولاية الجزيرة لم ينته قلقه ولا إتصالاته عنا ،لم يمل من أن يقول لنا ( تعالو بيتي فاتح ولو ما شالكم البيت راسي بشيلكم ) وعندما اضطررنا لمغادرة منازلنا قسراً بسبب تسليم كيكل وهجوم المليشيا على المواطنين ذهبنا لهم وما أجمل قلوبهم فوالله لم نر منهم إلا كل جميل وطيب ، اما عن زوجته هي الحب الذي يمشي على رجلين ، حملتنا في حدقات عيونها ، يقولون لكل منا من أسمه نصيب تُدعى إبتسام وهي التي تتشنج خدودها من فرط التبسم ومن لسانها يخرج العسل قبل الكلام ،أما بناته فيهنَ جمال يتجاوز ما نعرفه عن هذه الحياة هذه هي المرة الأولى التي نراهم فيها ولكن ارواحنا سرعان ما أتصلت بهم وكأنها ليست المره الأول التي نراهم فيها ،تُفيض قلوبهن من الود والحب ، لم نشعر ولو للحظة معهم بالغربة بل من فرط محبتهم لنا تكاد تجزم على إننا أخوات . يدي لا تُطيق التوقف عن الكتابة فالحديث طويل وتفاصيلة ستبقى داخل قلوبنا للأبد وفي الختام اللطيف سأقول ” حرباً لامست عنان الألم حتى جعلت الجميع يمضي في متاهات يشوبها الظلام ، تتوه بين الحلول فكل الإفتراضات والطرق تقود إلى زوايا أكثر ظلمه فيضع الشتات على أثقالنا أثقالا لننصت إلى وريقات الأزهار التي جاورتنا ذاك اللقاء بهم ،أحب الأية التي تقول ( عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) فلتلك الحرب التي أحدثت كل هذا الخراب في قلوبنا قبل حياتنا هيَ نفسها التي جمعتنا بهم والحمد لله من قبل ومن بعد (نازك).


