أعمدة الرأي

عميد شرطة (م) عمر محمد عثمان يكتب حكومة مانشوكو..

 

عند الحديث عن نية قوى سياسية والدعم السريع تشكيل حكومة مدنية في المناطق التي تدّعي سيطرتها عليها، يبرز تساؤل جوهري حول مدى شرعيتها وإمكانية الاعتراف الدولي بها. تاريخيًا، لم يحظَ أي كيان سياسي نشأ بالقوة باعتراف دولي، وهو ما يُعرف بـمبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة (Stimson Doctrine)، الذي طُبّق لأول مرة عام 1932 عندما أعلنت اليابان قيام حكومة مانشوكو في منشوريا الصينية.

 

في ذلك العام، غزت اليابان إقليم منشوريا وأقامت عليه حكومة دمية محاوِلة فرض واقع جديد بالقوة. لكن الولايات المتحدة، عبر مبدأ ستيمسون، أعلنت عدم اعترافها بأي تغييرات سياسية تنشأ عن استخدام القوة العسكرية، ما أدى إلى عزلة حكومة مانشوكو حتى سقوطها عام 1945. تبنَّت عصبة الأمم المبدأ لاحقًا، ما دفع اليابان للانسحاب منها عام 1933. كانت الرسالة واضحة: المجتمع الدولي لا يعترف بالحكومات التي تنشأ بالقوة، ولا يمنحها شرعية سياسية أو قانونية.

 

هذا المبدأ القانوني ظل ثابتًا في حالات عديدة عبر التاريخ. فمجلس الأمن الدولي، على سبيل المثال، أصدر القرار رقم 541 (1983) الذي رفض الاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية، لأنها نشأت نتيجة تدخل عسكري. كما رفضت الأمم المتحدة الاعتراف بشرعية الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، وعارضت ضم روسيا للقرم عام 2014. في كل هذه الحالات، بقيت الشرعية الدولية مرتبطة بقبول المجتمع الدولي، وليس بميزان القوة على الأرض.

 

قد يطرح البعض تساؤلًا حول حالتي ليبيا والصومال، وهل يمكن أن تتكرر السيناريوهات هناك في السودان؟ رغم بعض التشابهات، إلا أن كلا البلدين يؤكدان نفس القاعدة: القوة العسكرية وحدها لا تكفي لمنح الشرعية الدولية. ففي ليبيا، وبعد سقوط القذافي عام 2011، دخلت البلاد في حالة صراع مسلح وحكومات متنافسة، لكن الاعتراف الدولي ظل مرهونًا بالاتفاقات السياسية وليس بسيطرة الميليشيات، حتى أن حكومة حفتر في الشرق لم تحظَ باعتراف دولي رغم سيطرتها الواسعة. أما في الصومال، فبعد سقوط نظام سياد بري عام 1991، انهارت الدولة، وظهرت حكومات متنافسة وجماعات مسلحة، لكن المجتمع الدولي لم يمنح الاعتراف لأي كيان خارج إطار الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك حركة الشباب وإقليم أرض الصومال، رغم استقراره النسبي.

 

في السودان، أي محاولة لتشكيل حكومة عبر فوهة بندقية المليشيا لن تؤدي إلا إلى العزلة الدولية، حيث لن تحظى بأي اعتراف أممي أو إفريقي، مما يضعفها سياسيًا واقتصاديًا. كما أن هذه الخطوة ستعمّق الانقسامات الداخلية وتعقّد المشهد السياسي، مما يطيل أمد الأزمة بدلًا من حلها، حيث ستعزز نظرياً فكرة وجود سلطتين متنازعتين بدلاً من دولة واحدة ذات شرعية واضحة.

 

ومناهضة هذا المشروع البائس ينبغي أن تتم بالطرق الدبلوماسية، من خلال فضح أبعاده القانونية والسياسية في المحافل الإقليمية والدولية، بالتوازي مع مواصلة القوات المسلحة لانتصاراتها على الأرض. كما أن الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة هو الضمان الأكبر لإفشال هذه المحاولة، لأن قوة الجيش مستمدة من الشعب، وكلما اتسع هذا الدعم الشعبي، ضاقت المساحة أمام المليشيا والمخططات الخارجية التي تدعمها.

 

وكما فشلت حكومة مانشوكو في الحصول على اعتراف دولي رغم دعم اليابان القوي لها، ستواجه أي حكومة تعلنها القوى السياسية المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع المصير ذاته. فالشرعية لا تأتي بالقوة، بل عبر الإرادة الشعبية والإجماع السياسي والدولي. وستكون هذه الحكومة مجرد دمية، لأن القوى السياسية والمليشيا التي تقف خلفها ارتضت لنفسها أن تكون أدوات تحركها دول وأجهزة مخابرات خارجية، دون أن تملك أي قرار مستقل أو شرعية حقيقية.

 

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

16 فبراير 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى