أعمدة الرأي

من أعلى المنصة  ياسر الفادني  يكتب من بعد فرقتنا ديك ؟ مين كان بيفتكرك تعود ؟

 

في أغنية (زاد الشجون) ، يصوغ الشاعر فضل الله محمد تجربة وجدانية شديدة الخصوصية، مليئة بالحنين والتوق والإنكسار، كل كلمة تحمل وجعًا مستترًا خلف بساطة المفردة ودفء العبارة، لا زخرفة لغوية ولاإفتعال في التصوير، بل عذوبة متدفقة كأنها حديث قلب مكلوم لا يملك إلا أن يبوح

 

(ما هو باين في العيون، وين حنهرب منو وين) ؟ سؤال لا ينتظر إجابة، بل يفتح جرحًا قديمًا في الروح، يعيدنا إلى تلك اللحظة التي يطاردنا فيها الحب حتى ونحن نحاول الفرار، لا أحد يهرب من الحب، هذه هي الحقيقة القاسية التي يعرفها من كتب الأغنية ومن غناها، ومن سمعها فارتجف قلبه

 

الهوى في هذا النص ليس مجرد مشاعر، بل كائن حي، قوة قاهرة (تفتح قلوبنا ديار محبة)، كما لو أن الحب قوة عسكرية تجتاحنا فلا نملك لها مقاومة، (ما بنقاوم و كيف حنقدر)؟ ، يتكرر هذا البيت كما يتكرر الألم ذاته في قلب العاشق الذي لا يملك حيلة أمام الشوق

 

فضل الله محمد يكتب هنا بعين المحب وخبرة المجروح، حين يقول : (ما افتكرت الحظ يساعد، عمري يورق من جديد)، فإنه لا يتحدث عن لقاء عابر أو مصادفة، بل عن سنوات من الذبول، عن جفاف طويل ينتظر قطرة عطف، عن العودة التي لم تكن محسوبة، هناك سحر حزين في قوله (مافي نشوة ومافي ريد، دا الهوى الجنبك عرفتو عاطفة ملتهبة وجنون)؛ كأن الحب الحقيقي لا يمكن أن يوجد إلا في القرب من هذا الشخص بعينه، لا في العموم، بل في خصوصية الحبيب الواحد الوحيد

 

محمد الأمين لا يغني هذه الكلمات، بل يعيشها، صوته هنا ليس مجرد أداة فنية، بل مرآة لموجة حزن متواصلة، أداءه بطيء، عميق، مشبع بالأسى النبيل، يمد الحروف كأنه يحاول القبض على لحظة هاربة، يتأوه بين الكلمات كما لو أن الشجن ينهض من حنجرته، لا من آلة موسيقية، طريقة أدائه هي ما يمنح الأغنية هذه الهالة من السحر: لا يستعجل اللحن، يترك للمستمع فسحة أن يشعر بكل كلمة، وكل تنهيدة، وكل إرتعاشة

والنص لا يتوانى عن كشف هشاشة العاشق، يكشفه تمامًا عندما يقول (أدعينا و قلنا تاني ما حنشتاق، و قبل ما تمر ليلة بحرارة الشوق غمرنا) تلك الكذبة الصغيرة التي يقولها كل من يحاول تجاوز الحب ولا يستطيع، حتى الكبرياء يتلاشى هنا، فلا مجال للمكابرة حين (الحياة صعبة علينا و بي أثر فقدك شعرنا)

 

وفي المقطع الأخير، يحتدم الانفعال، يشتد الصوت، ويبدأ محمد الأمين في توبيخ الحبيب لكن بلهجة محب (وبرضو بتقول عني خادعك، إني بتلاعب و بكذب)، فينهار كل دفاع، وتُعلن الحقيقة الكبرى: (كنت تتعلم تجامل لو فؤادك مرة جرّب). إنها ذروة الأغنية، حيث ينكشف الجرح بصراحة مذهلة لا تنقصها الكرامة

 

إني من منصتي أستمع لزاد الشجون… وهي ليست مجرد أغنية، إنها لحظة صادقة من الشعر، صاغها فضل الله محمد ببراعة، وغرسها محمد الأمين في الذاكرة السودانية بصوته النادر، هي ليست أغنية حب تقليدية، بل نشيد للحب الجارح، ذاك الذي لا يترك في القلب سوى الشجن… الشجن المتفاقم، الزائد دومًا.

زر الذهاب إلى الأعلى