أعمدة الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب رسالة الي رئيس الوزراء المسكين البروف كامل الطيب إدريس!

 

عليك بحلفِ الفضول يا زول!

تفاءلنا باسمك، فانت كاملٌ ( كمال بشري) طيبٌ، بك نطيبُ وتطيبُ أمورُنا بأذن الله. أما إدريس، فقد قال اللهُ تعالى فيـه: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) مريم 57..لعلَّ اللهَ أن يرفعَ بك هذا الوطن مكانًا عاليًا. هذه المقدمة ليست من بابِ الاستهلال ولا الاستهلاك، ولا بغرض استعراض العضلات البلاغية، لكنها من الهدي النبوي الشريف. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءلُ بالأسماء الحسنى ويحبُ الفألَ الحسن، وهو ما يظهر في تعامله مع الأسماء والأحداث. كان يحب الكلمةَ الطيبة والإسمَ الحسن الذي يحمل معنىً إيجابيًا، ويعتبر ذلك من حسن الظن بالله واستبشارًا بالخير.

عرفنا من هو الزول المقصود في العنوان، إنه- بلا شك- البروف كامل الطيب ادريس، رئيس وزراء السودان الحالي منتصف عام 2025 ميلادي .ولكن ما هو حلفُ الفضول وما قصته وما علاقته برئيس الوزراء المسكين؟

قصةُ حلف الفضول

في مكةَ وفي قريش قبل البعثة بعشرين عامًا، أي عندما كان محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- في ذلك الوقت له من العمر عشرون عامًا، ثم ماذا حدث؟ حدث الآتي: جاء إلى مكةَ تاجرٌ من اليمن، فباع بضاعته إلى قرشي اسمه العاص بن وائل السهمي، ولكن العاص هذا- يبدو ان له من اسمه نصيب- فقد استعصى على التاجر وأبى ان يعطيَه حقَّه، فاشتكى إلى جماعات قريش فلم يجد من يعينه على العاص، فصعد على جبل (أبي قبيس) وقريشٌ في أنديتها، فناداهم لرد مظلمته، فقام الزبير بن عبد المطلب وقال: مال هذا لا نساعده؟ فاجتمعت جماعةٌ من قريشٍ فتحالفوا بالله (كان القرشيون يعرفون الله قبل الإسلام، لكنهم كانوا يشركون معه آلهةً أخرى. كانوا يعتقدون بالله كخالقٍ ورازق، لكنهم كانوا يعبدون الأصنامَ ويعتقدون أنها تشفع لهم عند الله) إذًا تحالفوا بالله لنكونن يدًا واحدةً مع المظلوم حتى يُردَّ إليه حقُه. فسمت قريشٌ هذا الحلف (حلف الفضول) لأنهم دخلوا في فضول من الأمر،,وقيل سمي بالفضول نسبة الى الفضائل التي تعاهد القائمون عليه على الالتزام بها مثل نصرة المظلوم ورد الحقوق بغض النظر عن نسب او قبيلة المظلوم وقيل غير ذلك، ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعةَ التاجر اليمنى ودفعوها لصاحبها.

عرفنا قصةَ حلف الفضول ولكن يظل السؤال قائمًا: ما علاقةُ هذا الحلف برئيس وزراء السودان المسكين؟

في واقع الأمر أنّ العملَ بمبدأ حلف الفضول هو مهم لكل قائدٍ مسلم، وتأتي أهميةُ هذا الحلف إذا علمنا ان النبيَ- صلى الله عليه وسلم- حضر هذا الحلف وكان عمره- كما ذكرنا- عشرين عامًا، وقال صلى الله عليه وسلم عن هذا الحلــف:

(لقد شهدت بدار عبدالله بن جدعان ما أحب أن ليَ به حمر النعم، ولو دُعيتُ له في الإسلام لاجبت) تعبيرٌ نبويٌ يدلُ على عِظَمِ هذا الحلف ومكانتِه، حيث فضَّلَ الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- هذا الحلفَ على الإبل الحمراء، وهي أغلى أموالِ العرب في ذلك الوقت.

ومن مبدأ هذا الحلف الذي أثنى عليه رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عليك- يا سيادة رئيس الوزراء- أن لا تستبعدَ احدًا عن الوزارة بسبب أنه ينتمي لحزب أو لأنه يحمل رايًا مخالفًا، يجب الاستفادة من علمه وخبراته، يجوز أخذ الحكمة أو العلم النافع من أي شخص بغض النظر عن دينه أو معتقده. فقد قال النبي محمد، صلى الله عليه وسلم: “الحكمةُ ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها”. هذا الحديث يشير إلى أن الحكمةَ- وهي المعرفة والفهم العميق للأمور- كنزٌ ضائع، يجب على المؤمن البحث عنه والظفر به من أي مكان يجدها فيه، لذلك أرى أنه لا مانع من تعيين الوزير حتى لو كانا معارضًا في السابق او أنه ينتمي إلى حزبٍ علماني، أو متطرفًا، او غير ذلك طالما أنه يحمل علمًا وخبرةً ومنفعةً للوطن، فلا تضيِّق واسعًا يا سيادة الرئيس. ومن حلف الفضول، يعلمنا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن نكونَ عادلين مع خصومِنا وأن نقبلَ الحقَ الذي من غيرنا…. لا تدفعنا العداوة إلى تجاهل الخير مع الخصم فهو- صلى الله عليه وسلم- يقول: (إنما بعثت لأتممَ مكارم الاخلاق) فهو يقول إنَّ في الجاهلية اخلاقًا حسنةً وأنه جاء ليكملها) ويقول الله عز وجل:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) المائدة 8.. شهداء بالقسط: اي شهداء بالعدل.. (لا يجرمنكم ): لا يحملنكم ( هو أقرب): العدل أقرب… حلفُ الفضول يعلمنا قبولَ الحقِّ ممن جاء به، وإن كان عدوًا مخالفًا في الدين. حلفُ الفضول نتعلم منه أنَّ من أرادَ أن يُقيِّمَ شخصًا، فلا يذكر مساوِئَهُ فقط، بل عليه ذكرُ مساوئه ومحاسنه.

عرفنا ما هو حلف الفضول وما فوائدة، بقي ان نعرف لماذا وصفتُ رئيسَ الوزراء بانه مسكين؟ للمسكين عدة تعريفات منها أنَّ المسكينَ هو (من وجد نفسَه مع من لا يفهمونه) السيد رئيس الوزراء طرح شعار حكومته ( حكومة الأمل) ونقل رسالته إلينا بلغة رفيعة لم نسمع مثلها من قبل، وهذا أسلوبٌ علمي متأدب، لم نعهدْه، لذلك استهجنه بعضُنا، و اعتبره البعضُ الآخر نوعًا من الفسلفة،والتنظير ولكن- في الواقع- هذه هي أسسُ الإدارة. كما أن الوزارات التي استحدثها هي اسُّ العمل والتطور، مثل وزارة التحول الرقمي، وزارة الموارد البشرية، وزارة البيئة.

ولكن- يا سيادة الريس- أطمانك فان من شأن الرعية عدمُ الرضى عن الراعي، وأنه لا سلامةَ من ألسنةِ العامة. ورد في بعض الآثار أن سيدَنا موسى- عليه السلام- طلب من ربه أن يَكُفَّ عنه ألسنةَ الناس، فقال له الله تعالى: “يا موسى، ذلك شيءٌ لم أتخذه لنفسي، فكيف أجعله لك؟”. هذا الحديث يشير إلى أن اللهَ تعالى لم يمنع ألسنةَ الناسِ عن نفسه، فكيف يمنعُها عن عباده؟ سيادة الريس فقد وقعت معنا ونحن لا نفهمك فأنت مسكين!!

دع كلامَنا واعمل، (ليلةُ العمل خيرٌ من الفِ ليلة كلام)

وفقك الله..

24 يونيو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى