القاص عزالدين ميرغني مغردا على الفيسبوك اشياء صعبة

من الاشياء الصعبة في فترة الحرب والعزلة عن الآخرين وبقاء الإنسان وحيدا دون رفيق أو أنيس، هو أن تقنع نفسك قبل الآخرين، بأن بقاءك وسط هذا الخطر له ما يبرره . خاصة وأن حرية الخروج وترك المكان كان متيسرا ومتاحا . وهذا الإقناع يجب أن يكون يوميا ويجب أن لا يكون بأحلام اليقظة أو الوعود الكاذبة . يجب أن نقنعها بأن الحفاظ على هذه المكتبة الضخمة والمقتنيات الأخرى، التي هي حصاد العمر هو ما يستحق هذه التضحية . وحتى لو افلحت في اقناعها ، فيجب عليك أن ترفه عنها وان تجعلها تعيش في فرح يومي وفي متعة ولو كانت الإمكانيات قليلة وشحيحة . يجب أن نقنعها بأن وجود غيرك في المنزل وخاصة اللمسة النسائية ليست بالضرورة في كل الأوقات. وان الرجل يمكن أن يكون طباخا ماهرا باقل الإمكانيات، وأن العدس وسلطة الدكوة بالطماطم هى أشهى طعام وان شوربة الخضار تغني عن شوربة اللحم الذي يزيد من تراكم الدهون وزيادة الكوليسترول. وان شاي الصباح ليس بالضرورة أن يكون مصحوبا ببسكويت اليانسون والمنين، كم تعودت . وماء الزير النقي مع نسمات الصباح ينعش المعدة ويروى الظمأ. وعلمتها ان تفرح للاشياء الصغيرة . في جو تنعدم فيه البسمة والفرح وحتى الأمل في الغد . تفرح لطبق ساخن من الزلابية تجود به جارة بعيدة صامدة مع زوجها ، أو كوب من القهوة تصنعه بعد وجبة خفيفة من شوربة البصل والدكوة مع ماجي . تحس بالانتعاش والمزاج الذي اعتدل . وتفرح عندما تغسل ملابسك اولا بأول وان لا تكون داخل المنزل مبهدلا وان تحافظ على اناقتك المنزلية حتى ولو قل الزوار وانعدموا حتى زارك الغزاة احسوا بأنك مهندم وليس رجلا يعيش وحيدا مبهدلا . واحيانا تتعطر حتى تقنع نفسك بأنها تستحق ذلك حتى في احلك الظروف . تفرح لحل لعبة السودوكو، والكلمات المتقاطعة ، لتقنعها بأنها ما زالت ذاكرتها قوية ومنتظمة ، تعلمها الشكر والحمد بأنك لست صاحب مرض مزمن يحتاج لأكل مخصوص وأدوية قد تنعدم في أي وقت ولا تجدها ، وأن ثقافتك الطبية المتواضعة ومعرفتك بالاعشاب والطب البديل قد ساعدتك في معرفة الغذاء الموجود في ارخص المواد . وانك تعرف الجسم الحمضى من القلوى وكيف تعادل بينهما . وما هي الفيتامينات كاغذية رخيصة ومكملة. وما هي فوائد النوم المبكر لتنشيط الذاكرة ومقاومة الاكتئاب، وأن النفوس اذا كلت عميت وان الدعاء خير عزاء ، وختم القرآن طمأنينة النفس والروح . كيف تقنعها يوميا بأن الأمل في الله لا ينقطع بأن تقول كما قال الكثير من اهل الصلاح اللهم لا تجعل موتى بيد أحد من هؤلاء القساة. وان هذه الكتب التي ضحيت من أجلها هي أعطتك أيتها النفس لقبا أدبيا، ومكانة يجب شكري الله عليها والمحافظة على النعمة . وتجويد الكتابة ، وإعطاء المزيد حتى ولو تركته وذهبت ستجد من يجده وينشر ه . كنت اقلب فيها الكتب والمجلات النادرة في شتى العلوم والمعرفة لان احتراف الكتابة تعطيه القراءات الجادة . كانت وسط آلاف الكتب أحس برضاها وانها فعلا تستحق هذه المعاناة وهذه التضحية . خاصة عندما تكتب وتكتب في رواية بدأتها أو دراسة نقدية كانت يوما مؤجلة ، أو قصة قصيرة جاءت من وحي معاناة الآخرين وكانت حقيقية وخبرة. كنت اهدهدها بأن الغد سيكون اجمل والخبرة ازدادت والموهبة صقلتها التجربة المعاناة والتجربة الحية ، وأن السعادة كما قالت فرانسوا ساجان في صباح الخير أيتها الاحزان ، ينتظرها الإنسان العادي لتقع عليه كحادثة، أما المبدع فيصنعها من الإمكانيات البسيطة التي تحيط به . في قلم جميل عثرت عليه في مقتنياتك، أو قميص اكتشفت جماله، أو صورة في مكان جميل زرته وتذكرته ، أو صديق عزيز تذكرك في عزلتك فسال عنك . في كتاب جميل وجدته ونسيت أن تقرأه. لقد كان العزاء بعد الأمل في الله ، والذي تتأكد بأن رزقه في السماء ، هو أن تبحث عن السعادة في لحظات الضيق والعناء .


