الكابتن محمد حسن الطاهر يكتب العقل السياسي النموذج القديم والواقع الأليم ( مفارقات التاريخ والحاضر)

في لحظة تأمل نادرة، يأخذنا الفيلسوف والمؤرخ _ول ديورانت_ إلى حقبة وصفها بأنها “أسعد قرن في تاريخ البشرية”، حين حكم الإمبراطورية الرومانية خمسة من أعظم أباطرتها: _نيرفا، ترايان، هادريان، أنطونينوس بيوس، وماركوس أوريليوس_. هؤلاء لم يكونوا مجرد حكام، بل كانوا *نماذج أخلاقية وسياسية* سعت إلى إسعاد شعوبها، لا إلى تعظيم سلطتها أو إثراء خزائنها.
كانت تلك الفترة، الممتدة من _96م إلى 180م_ ، مثالًا حيًا على ما يمكن أن يكون عليه الحكم حين يُبنى على *العدل، الحكمة، والرحمة*. فقد ساد فيها _السلام النسبي_ ، وازدهرت _الفنون والعلوم والفلسفة_ ، واحترمت فيها _حقوق الإنسان_ بشكل غير مسبوق. حتى أن ديورانت كتب:
> “لو خُيّر الإنسان أن يولد في أي فترة من التاريخ، لكانت تلك الحقبة هي الخيار الأمثل.”
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
– لماذا لم يستمر هذا النموذج؟
– ولماذا جاء الانحدار بدلًا من الازدهار؟
هنا تتجلى عبقرية اللغة في تفسير التاريخ. فالجذر اللاتيني _lapsus_ ، الذي اشتُقت منه كلمات مثل _lapse، relapse، elapse، collapse_ ، يحمل في طياته معاني *السقوط، الانزلاق، الانقطاع، والانهيار*. وكأن التاريخ نفسه قد تعرض لـ _lapse in judgment_ ، أو _relapse into chaos_ ، بعد أن مر زمن الازدهار.
لقد انزلقت البشرية من نموذج الحكم العادل إلى واقع أليم، حيث أصبحت السلطة غاية لا وسيلة، وتراجع فيها صوت العقل أمام ضجيج المصالح. فانهارت القيم كما تنهار الأبنية في زلزال، وتلاشى الحلم كما يتلاشى الزمن في _elapse_ لا عودة فيه.
إننا اليوم، في ظل أزمات متلاحقة، نحتاج إلى استعادة ذلك النموذج القديم، لا كحنين رومانسي، بل كخريطة طريق نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يُلهم من يقرأه بعين الحكمة لا بعين الحنين.
فهل نملك الشجاعة لنوقف هذا _collapse_ الأخلاقي؟ وهل نستطيع أن نعيد تعريف الحكم ليكون في خدمة الإنسان، لا في استغلاله؟
ربما يكون الجواب في قدرتنا على التعلم من _lapsus linguae_ التاريخ، قبل أن يتحول إلى _lapsus vitae_ —
زلة حياة لا تُغتفر.


