أعمدة الرأي

فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب مكانة المحكمة الدستورية وإدارة القضاء والعدالة في السودان(14)

 

عقل وأدوات ومنهجيات المحامي أمام قاضي المحكمة الدستورية وأمام قاضي المحكمة العادية بمستوياتها .

كلمة المحامي في اللغة العربية مشتقة من الحِمَى(فارس الحديد الحِمّي قلبك موشح بالدمي ما بخاف)، وهي ابيات شعر تراثية نظمتها الشاعرة/ النور بت بابكر ضحوي في شقيقها/ البخيت ود بابكر ضحوي، لإسترداده أبقارها المنهوبة قام بها مجموعة متفلته من الجهادية(مجموعة متفلته تتبع لعبدالله الدسيس أحد قادة جيش عبدالله التعيشي تورشين)، وابيات القصيدة التراثية وقائعها 1890م في قرية أمغد وقرية ألتي من قرى مدينة الكاملين تتبعان لولاية الجزيره.

والحِمّي هو الموضع المحمي أو المصون الذي لا يجوز التعدّي عليه من أي جهة، وكلمة الحِمّي تقابلها في اللغة الإنجليزية عبارة Sanctuary / Protected domain، أي الحماية والدفاع. وبذلك، المحامي في اللغة هو منّ يتولى حماية غيره والذود عنه. وكلمة المحامي في اصطلاح القانون، المحامي هو الشخص الذي يمارس مهنة قانونية منظمة، تتمثل مهامها في الدفاع عن الحقوق، وتقديم المشورة القانونية، وتمثيل الأفراد أو الهيئات أمام القضاء والجهات الرسمية.

ومصطلح المحامي، يحمل مدلولات عديده متنوعة ومنها:

(1) مدلول وظيفي Functional Connotation / Functional Dimension، يبرز دور المحامي كفاعل اجتماعي وقانوني يتولى صون الحقوق والحريات وضمان حسن سير العدالة.

(2) مدلول مهني Professional Connotation Professional Dimension /، يؤكد انتماء المحامي إلى مهنة حرة ومستقلة، لا يخضع في عمله المهني الوظيفي، إلا لضميره، وأحكام القانون، وقواعد أخلاقيات مهنة المحاماة. فالمحامي في عمله المهني الوظيفي، لا يخضع لأي سلطة من أجهزة مؤسسات الحكومة / الدولة، إنما يخصع لسلطان ضميره والقانون.

(3) مدلول فلسفي– قيمي/ Philosophical–Value Connotation Philosophical – Value Dimension؛ بأن المحامي يجسد فكرة العدالة، فهو منّ يمثل صوت موكّله أمام القضاء، ويعمل كوسيط بين المواطن والقانون، ويُنظر إليه كأحد أركان العدالة إلى جانب القاضي والنيابة العامة.

(4) مدلول رمزي – مجتمعي – Societal Dimension Symbolic / Symbolic – Societal Connotation، إذ يُنظر إلى المحامي، باعتباره رمزاً لحماية المستضعفين، ودرعاً في مواجهة التعسف، وفاعلاً في نشر الوعي القانوني داخل المجتمع.

وبذلك، كلمة المحامي ليست مجرد وصف لمهنة، بل هي مفهوم متعدد الأبعاد، يجمع بين الوظيفة القانونية، والدور الاجتماعي، والقيمة الأخلاقية، والدلالة الرمزية في منظومة إدارة العدالة، وبسط ونشر ثقافة القانون بين الأفراد في المجتمع.

وعقل المحامي مقصوده ومعناه، يُقصد به البنية الفكرية والذهنية التي تحكم طريقة تفكير المحامي، أي: كيف يدرك النصوص التشريعية، وكيف يحلل الوقائع، وكيف يوازن بين القانون والعدالة. وهو بذلك، العقل الذي يمكّن المحامي من الفهم والتحليل والتأويل والإقناع في المجال القانوني. وبمعنى آخر موجز وأكثر شمولية، عقل المحامي هو الملكة الذهنية عند المحامي التي تجمع بين؛ علوم القانون، والفكر النقدي، والقدرة على بناء الحجج للدفاع عن الحقوق أمام القضاء والمجتمع.

وعقل المحامي، ليس عقلًا جامداً، يقتصر على تطبيق النصوص التشريعية للقانون، بل هو عقل مرن وابتكاري، يوائم بين النصوص التشريعية للقانون والوقائع العملية، ويبحث دائماً عن تحقيق العدالة، وصون الحقوق. فهو عقل مركّب، يجمع بين معارف القانون، والفكر الفلسفي، والقيم الأخلاقية، والمهارة العملية، ليكون أداةً لتحقيق العدالة وصون الحقوق وحماية المجتمع. أي بمعنى آخر، عقل المحامي عقل قانوني – اجتماعي – فلسفي، يقوم على التحليل والتأويل والإقناع بتقديم الحجج والاسانيد من القانون، وعقله – أي المحامي – هي الأداة الجوهرية التي تجعل المحامي قادراً على أداء رسالته في حماية الحقوق وصيانة الحريات، وضمان تحقيق العدالة.

وتفصيلاً عقل المحامي، له مستويات علمية وعملية، ونشير لها:

(1) العقل التحليلي Rational Analysis:

يقسّم الوقائع ويفكّك النصوص لإعادة تركيبها في صورة حجّة مقنعة.

(2) العقل النقدي : Critical Analysis

يتجاوز ظاهر النصوص والأحكام، ليكشف مواطن الخلل أو التعسف.

(3) العقل الإبداعي Creative Analysis:

يبحث عن حلول قانونية مبتكرة داخل المنظومة التشريعية والقضائية.

العقل العملي Practical Analysis: يوائم بين النظرية القانونية ومتطلبات الواقع الإجرائي والعملي.

ولعقل المحامي إطار فلسفي، هو الإيمان بأن العدالة هي الغاية العليا للقانون، واعتباره الدفاع رسالة أخلاقية، قبل أن يكون وظيفة مهنية، ويتمسك بفكرة سيادة القانون كمبدأ ناظم للحياة العامة، وإدراك البعد الإنساني– الحقوقي للموكل، لا الاقتصار على الجانب القانوني.

والفكر القانوني للمحامي، لتأدية مهنته الوظيفية، نوجزها في الآتي:

(1) الفكر التفسيري Interpretive Reasoning / Approach:

قراءة النصوص التشريعية وفق مناهج متعددة (حرفي، غائي، سياقي)

(2) الفكر المقارن Comparative Reasoning:

باستحضار التجارب الدولية والسوابق القضائية.

(3) الفكر النقدي – القيمي Critical –Value-Oriente Reasoning:

بمساءلة ومحاكمة النصوص التشريعية والأحكام القضائية في ضوء مبادئ العدالة والحرية.

(4) الفكر الاستراتيجي Strategic Reasoning:

أي بناء خطة دفاع، تراعي، تسلسل الدرجات القضائية، وتوقيت الحجج والاسانيد من القانون.

وللمحامي أدوات يستخدمها، ونوجزها في الآتي:

(1) الأداة النصية Textual Tool:

سلاحه الأدواتي والآدائي، النصوص التشريعية، والنصوص الدستورية، والاتفاقيات الدولية.

(2) الأداة القضائية Judicial Tool:

يوظف السوابق القضائية والأحكام ومبادئ المحاكم العليا، لتدعيم حججه واسانيدة من القانون.

(3) الأداة الإجرائية Procedural Tool :

تقديم والاعتماد على الدفوع الشكلية والموضوعية، والمرافعة الشفهية والتحريرية، لتدعيم وتعزيز دفوعاته.

(4) الأداة البلاغية Rhetorical Tool:

يجب أن يتمتع المحامي بقدرات مهارات الإقناع، وقوة الحجة، واستخدام المنطق واللغة المؤثرة.

(5) الأداة التقنية Technical Tool :

لدعم الدليل والاثبات، يجب أن يكون للمحامي، قدرة التوثيق والتدوين الورقي، وقدرات البحث القانوني، وقدرة استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

فالمحامي، ليؤدي رسالته في حماية الحقوق وصون الحريات وضمان العدالة، ليس مجرد ناقل لنصوص القانون، بل هو عقل قانوني حيّ ومتجدد الفكر وفهم القانون، يجمع بين الفلسفة (المبادئ والقيم)، والفكر (التحليل والتأويل)، وكيفية متى وكيف يوظف الأدوات (النصوص التشريعية والإجراءات والحجج).

ومنهجية عمل المحامي، تُفهم باعتبارها الإطار الفكري والعملي الذي ينظم طريقة اشتغاله على القضايا، وطريقية تعامله مع النصوص التشريعية والوقائع والخصوم وأجهزة القضاء. ومنهجية عمل المحامي ليست مجرد إجراءات مهنية، بل عقلية متكاملة تجمع بين؛ المعرفة القانونية، والمهارات الجدلية، والحس العملي. وبذلك، يمكن القول، عمل المحامي ليس مجرد حضور أمام المحكمة، بل هو طريقة تفكير وخطة عمل متكاملة، ويمكن تلخيصها في المحاور الآتية:

(1) المنهجية المعرفية Cognitive Methodology:

ومعناه، الإحاطة بالقوانين والتشريعات ذات الصلة، ومتابعة السوابق القضائية والفقه القانوني، والاستناد إلى الفلسفة القانونية لفهم أعمق للنصوص التشريعية.

(2) المنهجية التحليلية Analytical Methodology:

ومعناه، تحليل الوقائع بدقة، وفصل ما هو جوهري عما هو ثانوي. وتصنيف الأدلة وربطها بالنصوص التشريعية. وبناء سردية قانونية مترابطة تخدم مصلحة الموكل.

(3) المنهجية الإجرائية Procedural Methodology:

ومعناه، احترام المواعيد والشكليات القانونية (كتابة وتقديم المرافعات القانونية أمام المحكمة، تقديم وعرض الطعون في الاستئناف والنقض والمراجعة والفحص أمام المحاكم العادية والطعون الدستورية أمام المحكمة الدستورية، واحترام اعلانات الحضور أمام المحكمة)، وصياغة المذكرات والدفوع الشكلية والقانونية بلغة دقيقة وموضوعية. والالتزام بالترتيب المنهجي للمرافعات والطعون، بتقسيم المرافعة لفقرات – بعرض وتقديم الوقائع، وبيان الأسباب من الواقع والقانون، وبيان الدفوع التي يعتمد عليها، وتوضيح الطلبات.

(4) المنهجية الجدلية Dialectical Methodology:

ومعناه، القدرة على الإقناع أمام القضاء، عبر الحجة القانونية. واستحضار السوابق والمبادئ الدستورية، لدعم المرافعات. واستخدام لغة قوية، ولكن منضبطة، تجمع بين القانوني والإنساني.

(5) المنهجية الأخلاقية Ethical Methodology:

ومعناه، الالتزام بالسرية المهنية، وأسرار موكليه. وتجنب تضارب المصالح. والدفاع عن الحق والعدالة، بقدر ما تسمح به تشريعات القوانين.

(6) المنهجية العملية – الاستراتيجية Practical–Strategic Methodology:

ومعناه، وضع خطة شاملة لإدارة الدعوى منذ بدايتها حتى نهايتها. واستباق دفوع الخصم والتفكير في البدائل. والمرونة في تعديل الاستراتيجية وفق المستجدات.

وننتهي إلى أن منهجية عمل المحامي، هي فن وعلم معاً. فهي علم معرفي بعلوم القانون يقوم على النصوص والقواعد التشريعية، وحيث علوم القانون هو التي تمنح المحامي الأدوات لتأدية مهنته الوظيفية. وعمل المحامي هو فن يتجلى في القدرة على بناء الحجة وصياغة المرافعات، ويمتلك ناصيتها من فن كتابة المرافعات التي تمكّن المحامي من الإقناع. وكما عمل المحامي، أمانة تنعكس في رسالته الأخلاقية في نصرة العدالة، فهي رسالة العدالة التي تضفي على عمل المحامي بعداً أخلاقياً وإنسانياً. وأن منهجية عمل المحامي، هي إطار معرفي وعملي متعدد الأبعاد، يزاوج بين القانون كنصوص تشريعية والعدالة كقيمة عليا، وبين التحليل العقلي والجدل الإقناعي، وبين الالتزام الإجرائي والمسئولية الأخلاقية. وهي بهذا المعنى ليست مجرد إجراءات تقنية، بل عقل قانوني متكامل يعمل في خدمة العدالة.

ونواصل، وللحديث بقية.

فريق شرطة(حقوقي)

د. الطيب عبدالجليل حسين محمود

المحامي إستشاري القانون والموثق

08 سبتمبر 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى