إسرائيل وجورج أورويل ( عندما يصبح الخيال أكثر واقعية ) بقلم : كابتن محمد حسن الطاهر

في عالمٍ تتداخل فيه الأساطير مع السياسات، وتُنسج فيه السرديات كما تُنسج الأعلام، تبرز إسرائيل كحالة فريدة من نوعها، لا تُفهم فقط من خلال الجغرافيا أو التاريخ، بل من خلال ما يُحاك حولها من سرديات دينية، اقتصادية، وجيوسياسية.
وبين هذه السرديات، تلوح رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل كمرآة ساخرة تكشف آليات السلطة، وتُعرّي الخطاب السياسي حين يتحول إلى أداة للهيمنة.
اسرائيل السردية والسردية المضادة :
السردية المؤسسة لإسرائيل لا تنفصل عن الميثولوجيا الدينية التي تَعد اليهود بأرضٍ مقدسة، تُستعاد بعد الشتات، وتُبنى عليها دولة الخلاص.
“أرض الميعاد” ليست مجرد جغرافيا، بل وعدٌ إلهي يُستثمر سياسياً، ويُوظف لتبرير الاستيطان، والتهجير، والصراع.
في المقابل، تتشكل سردية مضادة في الوعي الإسلامي، حيث يُستدعى الحديث النبوي “يا مسلم، هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله” كرمزٍ للجهاد، لا بوصفه دعوة للعنف، بل كصورة مشحونة بالتاريخ، والاحتلال، والمقاومة.
وهكذا يتحول اليهودي في هذه السردية إلى “العدو اللدود”، لا كشخص، بل كرمزٍ للهيمنة، والاستعمار، والظلم ومن هنا يتولد السؤال الآتى:
– هل الصراع ديني ام أن الدين مجرد غطاء لاقتصادٍ عالمي، وتحالفات جيوسياسية تُعيد تشكيل الشرق الأوسط؟
إسرائيل ليست فقط دولة ذات طابع ديني، بل هي لاعب اقتصادي متقدم، وحليف استراتيجي لقوى كبرى، ومركز تكنولوجي وأمني في منطقة مضطربة.
الدين هنا ليس سوى طبقة أولى في سردية متعددة الأبعاد.
*🧠 الخيال و العقل السياسي العالمي:
رواية “مزرعة الحيوان” لجورج أورويل ليست مجرد قصة رمزية عن الثورة والخيانة، بل هي تشريحٌ دقيق لكيفية تحول السلطة إلى أداة قمع، وكيف تُستخدم الشعارات الكبرى لتبرير الاستبداد.
في الرواية، تبدأ الحيوانات بثورة ضد الإنسان، ثم تنتهي تحت حكم الخنازير الذين يُعيدون إنتاج نفس القهر، ولكن بلغة جديدة.
هنا، يمكن إسقاط الرواية على العقل السياسي العالمي في تعامله مع إسرائيل:
– تُقدَّم إسرائيل كواحة ديمقراطية وسط صحراء الاستبداد،
– تُمنح شرعية دولية رغم انتهاكاتها،
– وتُستخدم سردية “الحق في الدفاع” لتبرير الحصار، والقتل، والاستيطان.
كما في “مزرعة الحيوان”، تُعاد كتابة القوانين، وتُحرّف الشعارات، ويُصبح “كل الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها” إسرائيل، في هذا السياق، ليست مجرد دولة، بل نموذجٌ لكيفية صناعة الخيال السياسي، وترويض الواقع ليخدم مصالح القوى الكبرى.
*🌍 من أورويل إلى الشرق الأوسط*:
الخيال السياسي الذي صاغه أورويل يتحقق اليوم في الشرق الأوسط، حيث
– تُدار الصراعات عبر سرديات مُعلبة،
– ويُعاد إنتاج الظلم تحت شعارات العدالة.
إسرائيل ليست فقط نتاجًا لتاريخٍ طويل من المعاناة اليهودية كما ترد فى السرديات بل هي نتاجٌ لعقلٍ سياسي عالمي يُعيد تشكيل الخرائط، ويُعيد تعريف المفاهيم ومن هنا
– لا يمكن فهم إسرائيل دون تفكيك سرديتها،
– ولا يمكن نقد العقل السياسي العالمي دون العودة إلى أورويل، الذي علّمنا أن السلطة لا تحتاج إلى مبررات، بل إلى سرديات تُقنع الضحية بأنها تستحق ما يحدث لها.
وهكذا، بين “أرض الميعاد” و”مزرعة الحيوان”، تتكشف الحقيقة وهى أن الخيال السياسي قد يكون أكثر واقعية من الواقع نفسه


