أعمدة الرأي

د. التجاني الطيب عبد الماجد يكتب الجمارك السودانية… درعٌ اقتصادي وسندٌ وطني في زمن الحرب

 

في خضمّ الحرب وما صاحبها من تحديات جسام طالت مؤسسات الدولة كافة، برزت الجمارك السودانية كإحدى الركائز التي حافظت على تماسك البلاد واقتصادها، إذ أدارت مهامها باحترافية عالية وفق خطة طموحة ارتكزت على تعظيم الإيرادات ودعم الدولة والمشاركة الفاعلة في حرب الكرامة، جنباً إلى جنب مع تطوير قدراتها البشرية ومواكبة التقنيات الحديثة. لقد أثبتت الجمارك، خلال هذه المرحلة الحرجة، أنها مؤسسة تعمل بروح وطنية خالصة، وأن تحديات الحرب ليست عائقاً أمام أداء رسالتها، بل دافعاً لمزيد من الانضباط والعمل.

فعلى صعيد الإيرادات، استطاعت الجمارك السودانية، رغم ضيق المنافذ وصعوبة الحركة، ابتكار آليات جديدة لتعزيز التحصيل وتطوير إجراءات العمل وتسهيل حركة التجارة دون التفريط في متطلبات الرقابة. وبفضل هذا الجهد، ظلت الجمارك واحدة من أهم الروافد المالية التي تعتمد عليها الدولة في ظل تراجع مصادر الدخل الأخرى، مؤكدة أن دورها الاقتصادي لا يقل أهمية عن أدوارها الأمنية.

وفي الميدان الأمني، لم تتخلَّ الجمارك عن واجبها الوطني، بل كانت جزءاً أصيلاً من حرب الكرامة عبر تأمين المنافذ ومنع التهريب وحماية البلاد من تدفق المخاطر عبر الحدود. وكان منسوبوها في خطوط المواجهة، يسدون الثغور، ويشكلون سداً منيعاً أمام أي نشاط عدائي أو تهريبي، مقدمين الدعم اللوجستي والمعنوي للدولة وأجهزتها في واحدة من أدق لحظات الوطن.

ولأن بناء المؤسسة يبدأ بالإنسان، واصلت الجمارك استثمارها في التدريب والتأهيل حتى في ظل الحرب، فطورت قدرات كوادرها في مجالات إدارة المخاطر، والتفتيش، واستخدام الأنظمة الإلكترونية، والتحقيقات الجمركية، ليظل العاملون على قدرٍ عالٍ من الجاهزية المهنية، قادرين على التعامل مع تعقيدات المرحلة. وقد رسّخ هذا النهج ثقافة احترافية جعلت من الكادر الجمركي قوة حقيقية تسند الدولة في وقت الحاجة.

كما عززت الجمارك شراكاتها مع الجهات ذات الصلة، سواء في الداخل أو على المستوى الإقليمي والدولي، حيث أسهم التنسيق المشترك وتبادل البيانات في إحكام الرقابة وتقوية سلاسل الإمداد وتسهيل العمل التجاري. وقد شكّلت هذه الشراكات رافعة مهمة لدعم مهام الجمارك وتوسيع دائرة أثرها في حماية الاقتصاد ومكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود.

ورغم قسوة الظروف، مضت الجمارك في طريق التطوير التقني، فاعتمدت الأنظمة الرقمية الحديثة ووسعت من استخدام الرقابة الإلكترونية وأنظمة الدفع المؤتمت، وكان من أبرز إنجازاتها تطبيق الإشعار المسبق للبضائع الواردة، الذي أحدث تحولاً في سرعة الإجراءات ودقة المعلومات وتقليل المخاطر. وبذلك أثبتت الجمارك أنها مؤسسة لا تكتفي بالثبات في وجه الأزمات، بل تتقدم وتبتكر وتستبق المستقبل.

ويقف خلف هذا الأداء قيادة واعية ترنو دائماً لرفعة المؤسسة، تقود بخطط واضحة ورؤية إستراتيجية، وتعمل على بث روح الوطنية والانضباط بين منسوبيها، وتحرص على أن تظل الجمارك صرحاً قوياً مهما تباينت الظروف. وقد كان لهذا النهج القيادي أثر مباشر في ثبات أداء الجمارك وقدرتها على أن تكون دعامة أمنية واقتصادية للدولة في وقت تحتاج فيه البلاد لكل سند.

وهكذا، فقد أثبتت الجمارك السودانية خلال فترة الحرب أنها ليست مجرد جهة للتحصيل، بل مؤسسة وطنية شاملة تحمل على عاتقها حماية الاقتصاد، ودعم الدولة، وتأمين الحدود، وتطوير الإنسان، ومواكبة العصر. إنها قصة صمود وإخلاص وفداء… قصة جهاز ظل واقفاً بشموخ من أجل الوطن، عاملاً في صمت، ومؤمناً أن السودان يستحق دائماً الأفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى