أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد يكتب لو سكتَ من لا يعلم، لقلَّ الخلاف

نحن نجادلُ في الأمور التي لا تعنينا، ونُضيِّعُ أوقاتَنا في الكلامِ الذي لا فائدةَ منه، وننقل الاخبارَ دون تثبيت، ونُفتي فيما لا نعلم ونثرثر فيما يضر ولا ينفع. يختلطُ عندنا الصدقُ والكذبُ والخيرُ والشرُ والحقُ والباطلُ والجرأةُ والوقاحة. الفكرةُ التي لا تروق لنا، هي فكرةٌ غبية وقائلُها متخلفٌ. ما نراه هو الرأيُ الصحيح، ورأيُ غيرِنا رأيٌ فطير. نجادل بالمقايضة: إن قلتم قلنا، وإن لم تقبلوا منا كذا فلا نقبلُ منكم كذا، أو اقبلوا منَّا كذا، كي نقبلُ منكم كذا!! أيدولوجيتُنا في النقاشِ هي الإعتدادُ بالرأيِ وتقديسُ الأشخاصِ والتعصبُ لهم. أسلوبُنا في الجدالِ يدفعنا إلى تصيُّدِ الأخطاءِ ويسبب البغضَ بيننا، ويقسي القلب ويُوقظُ الفتنَ النائمةَ ويؤدي إلى الهجر. نتعرض للشخصيات العامةِ ،نطعنُ فيهم وننشغل بذكرهم، هذا جاهلٌ وهذا خائنٌ وهذا لصٌ وهذا عميلٌ وهذا غبيٌ ونقع في (الغيبة والبهتان) وكلاهما يهدم أواصر المجتمع ويورث الحقد، وهذا هو الضلال المبين، قال صلى اللهُ عليه وسلم: ما ضلَّ قومي بعد هُدى كانوا عليه، ألَّا أُوتوا الجدلَ، ثم قرأ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) الزخرف ..كلمة “خصمون” هي جمع لكلمة “خصم” وتعني المُنازِع، المُجادِل، المُعادي، أو الخَصم في النزاع أو الخصومة
الجدال شره أكثر من خيره، ان كان فيه خيرٌ. رأى أحدُ الشيوخ عالمًا من العلماء في المنام فقال له: ما خبرُ تلك العلوم التي كنتَ تجادلُ فيها وتناظر عليها؟ (فبسط يده ونفخ فيها وقال،: طاحت كلها هباءً منثورا، وما انتفعتُ إلا بركعتين خلصتا في جوف الليل)ولعظمِ خطورةِ الجدلِ، جعله اللهُ تعالى من محظوراتِ الحج مع الرفث والفسوق، قال تعالى: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].. قال يوسفُ: عرفنا علةَ الجدال وآفته، فما العلاج؟ أم كعادتنا نستعرض المشكلةَ ونغوصُ في تفاصيلِها وننغمسُ في التفكير فيها، ولا نفكرُ في حلها، وهذه هي آفةُ طريقة تفكيرنا، قل لي ما علاج هذه الآفة؟ قلت له: أيةُ آفةٍ تقصد؟ آفة طريقة تفكيرنا، أم آفة الجدال؟ قال لي: انت تعرفُ ماذا أقصد، لكنك رجل (خصم) قلتُ: حلُّ الجدالِ هو أن تتركه. قال يوسفُ: هذا ليس حلًا، لا بد أن اجادلَ. قلتُ له: إذًا أنت تُحبُ أن تأكلَ لحمَ اخيك ميتا. قال: ليس كذلك، ولكنني أُجادلُ من أجل أن أبينَ الحقَ (حين سكت أهلُ الحق عن الباطل، توهَّم أهلُ الباطلِ أنهم على حقٍّ) قلت له: الجدالُ بغرض إظهارِ الحق، جدالٌ محمود. من يريد أن يدخلَ في جدال محمود عليه ان يتبع الاتي
أولًا: لا تجادل احمقا. فقد يخطئ الناسُ في التفريق بينكما
ثانيًا: قبل أن تبدأ الجدالَ تعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الجدالَ يُثير الغضبَ، والغضبُ مدخلٌ كبيرٌ للشيطان، ولا تنسى أن تتلوَ قولَ الله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي(28) سورة طه
ثالثًا: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) سورة فصلت. قال يوسف: مدخلٌ طيبٌ وموفقٌ، إن شاء الله، هات رابعًا
رابعًا: لا تتكلم فيما ليس لك به علم، قيل إنما الكلامُ أربعة: (سؤالك للشيء وسؤالك عن الشيء، وأمرك بالشي وخبرُك عن الشيء) فإذا طلبتَ فاسجح، وإذا سالتَ فأوضح، وإذا اُمّرتَ فاحكم، وإذا اخبرتَ فحقِّق. قال يوسف: إذا قلت فاشرح، ما معنى هذا الكلام؟ قلت: عبارة “إذا طلبت فأسجح” تعني: إذا كنتَ تطلبُ شيئًا، فكن سهلًا وميسورًا، وإذا كنتَ تسألُ، فوضّح كلامَك ببيان، وإذا أمّرت، فكن حكيمًا، وإذا أخبرت فحقق، مع إيجاز اللفظ وحسن المعنى. قال يوسف: واضح، هات خامسًا
خامسًا: لا تجعل لسانَك أمامَ عقلِك، لكن اجعله خلفَ عقلِك، بمعنى لا تنطق الكلمةَ قبل أن تفكرَ فيها، لا تندفع وتستعجل في الرد، فأنت تملكُ الكلمةَ قبل أن تنطقَ بها، فإذا خرجت من فمك، صارت هي التي تملكُك.. قال يوسف: هذا صحيحٌ، وقد حدثَ أكثرُ من مرة لكثيرٍ من الناس، قليلٌ منهم من اعتذر، ومنهم من يجهل أو يتجاهل ثقافةَ الاعتذار وكثير يظن أن الاعتذار ضعفًا وتنازلا
سادسًا: لا تدخل ساحة الجدال بعقلية فارس القبيلة(يا قاتل يا مقتول) بل ادخلها بعقلٍ سليم، واعلم ان التراجعَ عن الرأي فضيلةٌ، لا هزيمة
سابعًا: حطِّم شماعةَ التبرير. بينما يتكلم الطرفُ الآخر، تجدنا شاردين بأذهاننا للتفكير في الرد والبحث عن مبررات قبل ان يُكملَ حديثَه، غيرَ مركزين فيما يقول وعندما نردُ تكون كلماتُنا كمن يغرد خارج السرب
ثامنًا: مارس (قانون التخلي) تخلى عن أفكارِك المسبقة وافتح ذهنَك واستمع الي أفكار من تجادل، فقد تكون وجهةُ نظره صحيحةً، ثم كن مستعدًا لقبولها، واعلم أن قبولَك لفكرتِه لن ينقص من قدرك شيئًا، ورفضها لن يزيد في قدرك شيئا
ثم قال لي يوسف: أراك لا تجادلُ إلا نادرًا، ما السرُ في ذلك؟ قلت له: أنا دعوت اللهَ دعاءً واحمده واشكره على الاستجابة. قال: ما هو ؟ قلت: (اللهم لا تشغلنا بما لا يعنينا) قال يوسف: ولكن هناك اشخاصٌ أفكارُهم شاذةٌ وآراؤهم مضللة، ولا بد من الرد الحازم الحاسم والفوري قلتُ: ردٌ حاسمٌ وحازمٌ في نظرِك أنت، وهذا ما زيَّنه الشيطانُ لك، فقد يكون ردُك المستعجلُ الحازمُ الحاسمُ مردودًا عليك، وحتى لا تطيح في هذا الفخ، استعذ باللهِ من الشيطان الرجيم ،ثم- قبل ان تقوم بالرد- انتظر لمدةِ ثلاثةِ دقائق كحدٍ اقصى- خلالها- لا تفعل شيئًا، ولا تقل شيئًا ولا تكن شيئًا!! إعمل دائما بهذه القاعدة، أن تجعل مسافةً زمنيةً (دقائق معدودة) بين الحدثِ وردة الفعل، وبعد هذه الوقفة الزمنية المحدودة ستكون النتيجة مدهشة، تتغير نظرتُك للمجادل، ويتغير مفهومُك عن الموضوع وتنظر للمشهد بهدوء وعقلانية، بعدها- عندما تقرر ان ترد- إما أن يكونَ قرارُك الصمتَ، وهذه هي قوة الصمت التي تؤثر على الطرفِ الآخر تأثيرًا فعلًا، حتى وإن كنتَ لا تقصد ولا تريدُ ذلك، لأن سلاحَ الصمتِ يعملُ ذاتيًا، وإما تقرر أن ترد، في هذه الحالة يأتي ردُك هادئًا منطقيًا مقنعًا مرضيا..
قلت ليوسفَ: وهناك خيارٌ آخر، خذه مني فهو ينفعك ولا يضرك، قال: هات. قلت: استغنِ عن كلِّ الناس، لا تُجادل ولا تناظر واجعل اللهَ جليسك وأنيسك، لأن في الحديث القدسي (أيما عبد اطلعتُ على قلبه فرأيتُ الغالبَ عليه التمسُّكَ بذِكري، تولّيتُ سياسته، وكنتُ جليسَه ومُحادِثه وأنيسَه) قال يوسف: هل الإكثار من ذكرِ الله يجعلُ اللهَ جليسي وأنيسي؟ يا الله لو كان اللهُ جليسي ومحادثي وأنيسي، أول من انصرفُ عنه هو أنت، قلت له: (لو!!)
اللهمَّ أعنَّا على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادتك..
كان هذا يوسفُ وانا، فابقوا معنا، إن كان في العمرِ بقية.
والله أعلى وأعلم،،
6 يناير 2026م


