أعمدة الرأيالعالمية

الرمال المتحركه دكتور يوسف قرشي يكتب الصحافة ليست حلبة مصارعة

 

الصحافة مهنة نبيلة قبل أن تكون منصة، ورسالة قبل أن تكون وسيلة، وأمانة ثقيلة لا يحق لمن يحملها أن يفرّط فيها تحت أي ذريعة. ما نشهده اليوم من انحدار في بعض المنابر الإعلامية، وتحولها إلى ساحات مهاترات شخصية وجدالات عبثية، ليس اختلافًا في الرأي ولا تنوعًا مشروعًا، بل إساءة صريحة للمهنة وللقارئ معًا.

الجدل البيزنطي الذي يملأ الشاشات والصفحات لا ينتج معرفة، ولا يضيف وعيًا، ولا يخدم قضية. هو ضجيج فارغ يُستهلك فيه الوقت وتُستنزف فيه العقول، بينما القارئ يبحث عن معلومة دقيقة، وتحليل رصين، ورؤية تساعده على الفهم لا على الاشتعال.

الصحافة الصفراء، القائمة على الإثارة الرخيصة، وتضخيم التفاهة، وتسويق الشعارات الجوفاء والمهاترات اللفظيه التي ربما تخدش وجدان القارئ، لا تبني رأيًا عامًا، بل تهدم ما تبقى من الثقة بين الإعلام والجمهور. وهي أخطر من الكذب الصريح، لأنها تتخفى بثوب المهنية بينما تمارس العكس تمامًا.

ليس من وظيفة الصحفي أن يصفّي حساباته الشخصية على حساب المنصة، ولا أن يبحث عن “الترند” ولو كان ثمنه تشويه الوقائع أو تسفيه العقول. الصحفي ليس مقاتلًا في حلبة، ولا خطيبًا في ساحة صراخ، بل شاهدًا أمينًا على الواقع، ومحللًا مسؤولًا لما يجري.

القارئ اليوم أكثر وعيًا مما يظنه البعض. يميز بين المحتوى الذي يحترم عقله، وذلك الذي يستغله. وكل مادة إعلامية تستخف به، هي رصاصة في صدر المهنة قبل أن تكون إساءة له.

نحتاج إلى صحافة تُجادل بالأفكار لا بالأشخاص، تنتقد بموضوعية لا بتشهير، وتختلف بشرف لا بانحدار. نحتاج إلى مقالات تُضيء لا تُحرّض، تُفسر لا تُهوّل، وتضع المصلحة العامة فوق الأنا الفردية.

كفى مهاترات.

كفى إساءات مقنّعة.

كفى استسهالًا لانحدار الخطاب.

الصحافة الحقيقية لا تصرخ، بل تُقنع.

ولا تثير الغرائز، بل تُنير العقول.

ولا تلهث خلف التفاهة، بل تصنع المعنى.

ومن لا يستطيع حمل هذه الأمانة، فليبحث له عن منصة أخرى… لأن هذه المهنة لا تقبل أنصاف الصحفيين.

نصر من الله وفتح قريب

الرمال المتحركه

زر الذهاب إلى الأعلى