مواطنون قبضوا على أفراد ينتمون ل”صمود” وسلموهم للسلطات،،

حادثة بـُرِّي.. غضب شعبي..
خبراء : الشارع لم يعد يحتمل تحرّكات تؤثّر على أمنه واستقراره..
الواقعة طرحت سؤالاً حول الاستقبال المحتمل لقيادات صمود..
شركاء الحرب واجهوا ردة فعل السودانيين بالداخل والخارج..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
في تطورٍ لافت يعكس تحولات المزاج العام في العاصمة، أقدم مواطنون بحي بري شرق الخرطوم على توقيف شخصين ذكر أنهما ينتميان إلى قوى الحرية والتغيير سابقاً، والتحالف المدني الديمقراطي (صمود)، وقام المواطنون وفق شهود عيان بتقييد الشخصين وتسليمهما مباشرة إلى الشرطة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على تصاعد الحساسية الشعبية تجاه أي شخص ينتمي لتحالف قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي، ( قحت) المتحور إلى (تقدم، صمود) و(تأسيس) وغيرها.
دلالات:
وعكست حادثة بُرِّي حرصاً من المواطنين بألا ينزلق الأمر إلى اعتداء جسدي، بل أن ينتهي عند حدود القانون، وضجَّت وسائل التواصل الاجتماعي بتعليقات غاضبة تجاه من يتماهون مع مليشيا الدعم السريع، وتشير الحادثة إلى حالة غضبٍ شعبي متزايد ورافض لوجود العملاء والمتعاونين الأمر الذي يؤكد أن “القحاتة” لن يكون لهم موطئ قدم بعد انتهاء الحرب، باعتبارهم أسَّ البلاء الذي يضرب السودان حالياً حسب مراقبون وقد واجهوا ردة فعل السودانيين تجاههم في الخارج أيضاً.
أكاذيب:
ومنذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023م، تصاعد الجدل حول طبيعة العلاقة بين مليشيا الدعم السريع وبعض مكونات قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي، وقد ظلت هذه العلاقة محل أخذٍ ورد، إلى أن عزّزت قرائن الأحوال بحسب منتقدي التحالف فرضية وجود تقاطع سياسي بين الطرفين، خاصة بعد توقيع إعلان أديس أبابا بين محمد حمدان دقلو قائد مليشيا الدعم السريع، وعبد الله حمدوك رئيس تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، التي تحولت لاحقاً إلى تحالف “صمود”، ثم جاء اللقاء الذي جمع حمدوك وحميدتي في كينيا مؤخراً ليُنظر إليه في أوساط واسعة باعتباره كشفاً صريحاً لطبيعة التنسيق، حيث جرى الحديث عن مسارين متوازيين: خط عسكري تقوده المليشيا، وخط سياسي يتبناه تحالف “صمود”.
رفض واحتكاكات:
ومنذ تمرد مليشيا الدعم السريع، تعرّضت قوى الحرية والتغيير لتحولات متتالية وانقسامات متعدّدة، غير أن الاتهام ظل ثابتاً رغم تعدّد المسميات بوجود ارتباط وثيق لهذه المجموعة مع مليشيا الدعم السريع، وقد شهدت عواصم ومدن عربية وأفريقية وأوروبية احتكاكات ومشادات بين مواطنين سودانيين وبعض قيادات هذا التيار، من بينهم خالد سلك، ووجدي صالح، ومحمد حسن التعايشي، ونصر الدين عبد الباري، وغيرهم، حيث وُوجهوا باحتجاجات غاضبة من مواطنين حمّلوهم مسؤولية سياسية وأخلاقية عمّا آلت إليه الأوضاع، وتطرح هذه الوقائع سؤالاً كبيراً حول طبيعة الاستقبال الشعبي المحتمل لهذه القيادات حال عودتها إلى الداخل، في ظل مزاجٍ عام مشحون بالغضب والاحتقان، ويطالب بالمحاسبة لا بالمساومات.
تطور في الوعي:
ويرى الصحفي والباحث في الدراسات السياسية والاستراتيجية رمضان عبد القادر أن ما جرى في بري وهو (حي اشتهر بدعمه للثورة منذ بداياتها) يمثل تحوّلاً وتطوّراً في الوعي العام، وأبان رمضان في إفادته ل(الكرامة)، أن الثورة التي انطلقت طلباً للحرية والعدالة، لا يمكن أن تتحوّل إلى مظلة للفوضى أو غطاءٍ للخراب، مضيفاً أن ما حدث يمكن اعتباره صحوة تجديدية لمسار الثورة الصحيح، الذي يحافظ على الوطن والمواطن وممتلكاته، منوهاً إلى أن الأوضاع في الخرطوم وبحري وشرق النيل ما تزال تحتاج إلى هدوء واستقرار وأمن، وهو أمر لا يتحقق إلا بمشاركة المجتمع كله، مؤكداً أن تسليم الموقوفين للشرطة يعكس حرصاً على سيادة القانون، ويجنّب البلاد الانزلاق إلى الثأر أو الانتقام، وأكد عبد القادر أن هذه الظاهرة تكشف تزايد وعي الشارع بحقيقة ما جرى في الأشهر الماضية، وأن بعض الفئات المتهمة بالتعاون مع الميليشيا بدأت تنكشف أمام الرأي العام، وقال: ” إن ما خفي كان أعظم”، في إشارة إلى ملفات لم تُفتح بعد.
خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. تحمل حادثة بُرِّي مؤشّرات على حدوث تحولات عميقة في المزاج الشعبي السوداني، فمن جهة، تعكس الحادثة ارتفاع منسوب الغضب تجاه أي نشاط يُنظر إليه بوصفه متقاطعاً مع مليشيا الدعم السريع، ومن جهة أخرى، تكشف عن ميلٍ متزايد لدى المواطنين لممارسة دور مباشر في حماية أحيائهم، مع الحرص في هذه الواقعة تحديداً على تسليم الموقوفين للجهات النظامية، غير أن المشهد يظل محفوفاً بمخاطر الانزلاق إلى العدالة الشعبية خارج إطار القانون، وهو ما يجعل من ترسيخ هيبة الدولة وسيادة القانون ضرورة لا ترفاً، إن ما جرى في منطقة بُرِّي قد يكون رسالة واضحة مفادها أن الشارع لم يعد يحتمل ازدواجية الخطاب، ولا يقبل أن تتوارى المواقف بسياسةٍ ملتبسة ورمادية، أو أن يُساوم على أمنه واستقراره.




