همس الحروف الصين بين الحضور والغياب د. الباقر عبد القيوم علي

إن المتأمل في موقف الصين من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط يدرك أن السياسة الدولية محكومة بمنطق المصالح قبل أي اعتبار آخر ، إذ تتراجع كل الاعتبارات الأخلاقية المجردة أمام حسابات القوة والمنفعة ، فالمصالح هي التي ترسم مسار العلاقات بين الدول ، وتحدد طبيعة التحالفات والاصطفافات ، حتى بين الدول التي تبدو في ظاهرها أقرب إلى الحلفاء .
الصين تعتبر شريكاً إستراتيجياً لإيران ، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الانخراط المباشر في أي صراع قد يقود إلى إنتصار حاسم لطهران ، أو انهيار كامل لها ، هذا الموقف الذي أمامكم ليس تناقضاً بقدر ما هو تعبير عن حسابات إستراتيجية دقيقة ،
فالصين تدرك أن إيران تمثل عنصراً مهماً في موازين القوة في الشرق الأوسط ، وأن وجودها كدولة فاعلة يمنع اختلال التوازن الإقليمي ، فوجود إيران يحد من الهيمنة المطلقة لأي طرف آخر ، ويخلق حالة من التوازن النسبي في المنطقة ، ولكن في المقابل ، لا ترغب بكين في أن تتحول إيران إلى قوة منتصرة بشكل كامل ، لأن ذلك قد يخلق توترات أوسع في المنطقة ، فد تهدد المصالح الاقتصادية الصينية .
من المؤكد أن المصالح الاقتصادية هنا تلعب الدور الأكبر ، فدول الخليج العربي تعتبر من أهم الشركاء التجاريين للصين ، حيث تستورد هذه الدول بضائع صينية بمئات المليارات من الدولارات سنوياً و مثال لذلك في 2024 كان حجم الإستيراد يقدر بحوالي (274) مليار دولار ، وكما أن السوق الأمريكية نفسها تظل أحد أكبر الشركاء التجاريين للصين ، ففي العام 2025 كان حجم إستيراد السلع الصينية حوالي (560) مليار دولار . لذلك فإن بكين لا تستطيع التضحية بهذه الشبكة الاقتصادية الضخمة من أجل الانحياز الكامل إلى طهران في صراع إقليمي معقد .
ومن زاوية أخرى تستفيد الصين من بقاء إيران تحت ضغط العقوبات والعزلة الدولية ، فالعقوبات تفتح أبواباً للتجارة غير الرسمية (السوق السوداء) ذات الأسعار المحروقة ، وخصوصاً في مجال الطاقة ، وهكذا تستطيع الصين الحصول على النفط الإيراني بأسعار أقل عبر قنوات السوق السوداء ، وهذا ما يعطيها ميزة إقتصادية لا تتوفر في الأسواق المفتوحة .
هذا لا يعني أن الصين ستتخلى عن إيران أو يمكن أن تقف ضدها ، وعلى العكس تماماً ، فقد قدمت لها أشكالاً مختلفة من الدعم على مدار السنوات الأخيرة ، سواء في مجالات التكنولوجيا أو التعاون العسكري أو الاقتصادي .
غير أن هذا الدعم يظل مضبوطاً بسقف واضح ، دعم يمنع السقوط الكامل ، وفي نفس الوقت لا يصل إلى حد صناعة النصر .
إنها معادلة دقيقة جداً ، فإيران يجب أن تبقى ، ولكن هذا البقاء بجب ان يكون مضبوطاً بضعف كي لا يربك التوازنات الكبرى ، وأيضاً يجب ألا تبقى قوية بما يكفي كي لا تختفي من المعادلة .
يبدو أن الاستراتيجية الصينية تقوم على إدارة التوازن والإمساك بالعصا من الوسط ، لا على حسم الصراع بإنتصار طهران أو هزيمتها ، بقدر ما تهدف إلى إبقاء الصراع ضمن حدود لا تُخل بمصالحها الاستراتيجية .
وبهذا المعنى، فإن موقف الصين يبدو (بين بين) ، لا يمثل إنسحاباً خجولاً ، وفي نفس الوقت لا يشكل حضوراً لافتاً ، فهو أقرب إلى سياسة (ثم لا يموت فيها ولا يحيا) ، فالأمر محسوب بدقة شديدة حضور يهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الكبرى ، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي في موازين القوى ، مع إبقاء جميع الأطراف في حالة توازن لا غالب فيها ولا مغلوب .
وهذا ما ظهر جلياً ، إذ إن القواعد التي تحكم سلوك القوى الكبرى في السياسة الدولية لا تقوم دائماً على أي مبدأ أخلاقي ، يُمكن أن يتحقق منه إنتصار لحلفائها ، بقدر ما تقوم على حفظ حالة التوازن الذي يخدم مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل .
والله من وراء القصد و الهادي الى سواء السبيل


