الحق أبلج ٤٩٢ عميد شرطة م لطف الله أحمد عفيفي يكتب رسالة في بريد سعادة وزير التربية والتعليم

بسم الله الرحمن الرحيم.
اولا نحن إذ ندين سلوك الطالبه نهلة ونؤكد رفضنا التام له وندعو إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره.
نهلة، طالبة سودانية، خرجت من قاعة الامتحان ثائرةً وغاضبة، تصبّ جام غضبها على المراقبين، وتشتكي من قسوة الأسئلة وشدة الرقابة. رأت أن الأجواء كانت خانقة، وأن المراقبة ضيّقت عليها حتى أعادت “ببخراتها” كما دخلت، لم تُنقص منها شيئًا. مشهدٌ قد يبدو للبعض مجرد حالة فردية، لكنه في حقيقته مرآةٌ لخللٍ أعمق وأوسع.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أالخطأ خطأ الطالبة وحدها، أم هو نتيجة حتمية لتدهور منظومة التعليم في السودان؟
لقد أصبح التعليم، في واقعٍ مؤلم، سلعةً تُباع وتُشترى، تُثقل كاهل الأسر برسومٍ باهظة، وتفتح الباب واسعًا أمام تفاوتٍ صارخ بين من يملك ومن لا يملك. مدارس خاصة تُنافس على الربح، وتعليمٌ حكومي يتراجع يومًا بعد يوم، حتى فقدت العملية التعليمية أحد أهم ركائزها: القيم والأخلاق.
وكما قال شاعرنا السوداني:
“وعلّموا النشء علمًا يستبين به سُبل الحياة، وقبل العلم أخلاقُ”
فأين نحن اليوم من هذا المعنى العميق؟ وأي علمٍ يُرجى نفعه إن خلا من الأخلاق والضمير؟
السيد وزير التربية والتعليم المحترم،
إن محاسبة الطلاب على سلوكياتٍ ترونها غير أخلاقية لا ينبغي أن تسبق محاسبة السياسات التي صنعت هذا الواقع الغير أخلاقي
فالمشكلة ليست في طالبٍ احتجّ، بل في منظومةٍ دفعت به إلى حافة الغضب واليأس.
إننا اليوم في حاجةٍ ماسة إلى مراجعةٍ شاملة:
إلى مناهج تُواكب العصر، لا تُرهق العقول دون جدوى،
وإلى ترسيخ مواد التربية الأخلاقية والوطنية في صميم التعليم،
وإلى إعادة الاعتبار للتعليم الحكومي، وتأهيل المعلم الذي هو حجر الأساس في بناء الأجيال.
ولا يمكن إغفال واقعٍ أكثر قسوة: طلابٌ شردتهم الحروب، فرّقتهم الظروف، وأثقلت كاهلهم المعاناة النفسية والمعيشية. هؤلاء لا يحتاجون فقط إلى امتحانات، بل إلى عدالةٍ تربوية تراعي أوضاعهم الاستثنائية. إن تسهيل الامتحانات لهم، أو تكييفها بما يتناسب مع ظروفهم، ليس ترفًا ولا محاباة، بل هو واجبٌ إنساني وأخلاقي، يضمن لهم حقهم في التعليم، ويمنحهم فرصةً عادلة لمستقبلٍ أفضل.
سيدي الوزير،
إن العود إذا اعوجّ في أصله، فكيف يُرجى أن يستقيم ظله؟
أصلحوا الجذور، تُثمر الفروع،
وأنقذوا التعليم، تُنقذوا الوطن.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
١٨ أبريل ٢٠٢٦


