مقالات الرأي

مدارات للناس  هاشم عمر  يكتب الجمارك السودانية… معدن لا يصدأ

 

تتجلى قوات الجمارك السودانية كقصيدة صمود تُكتب بحروف من إرادة. ليست مجرد إدارة مالية، بل هي حارسٌ للحدود، ودرعٌ للاقتصاد، وروحٌ وطنية تتقدم الصفوف حين يتراجع الآخرون. فمنذ ميلادها في العام 1905م، وهي تمضي في رحلة طويلة من التحول، حتى غدت في 1991 قوة نظامية تتبع الشرطة، لتكتسب بعدًا أمنيًا واستراتيجيًا يليق بتاريخها.

وعندما انتقلت قيادتها إلى بورتسودان،بسبب ظروف الحرب استعادت أنفاسها سريعًا، وأعادت تشغيل نظام الأسكودا العالمي، وفعّلت منصة بلدنا، وربطت أنظمتها بالجهات ذات الصلة، وأطلقت نظام التتبع الإلكتروني للحاويات، وأضاءت الموانئ بأجهزة الأشعة السينية المتطورة. كل ذلك لم يكن مجرد تحديث تقني، بل إعلانًا بأن الدولة ما زالت تنبض، وأن مؤسساتها قادرة على النهوض وسط الركام.

ولأن الوطن لا يُحمى بالإيرادات وحدها، فقد تصدت قوات الجمارك لمحاولات تهريب الذهب والمخدرات والسلاح، وقدمت شهداء في سبيل حماية الأرض والإنسان. كانت في طليعة القوات التي حررت مدني، وسيرت قوافل الدعم للمتأثرين بالحرب، لتؤكد أن الجمارك ليست بيروقراطية جامدة، بل قلب نابض بالوطنية، يتحرك من إدارة الأزمة إلى صناعة الإنجاز.

أما على صعيد التطوير المؤسسي، فقد أطلقت نظام الإقرار المسبق الإلكتروني، وفعّلت الدفع الرقمي، وربطت أنظمتها مع الجهات ذات الصلة، مما رفع كفاءة الأداء وسرّع الإجراءات وعزّز الشفافية. كما أولت اهتمامًا ببناء القدرات وتدريب الكوادر، لتضمن استدامة الأداء في زمن التحولات، وتؤكد أن التطوير ليس ترفًا بل شرطًا للبقاء.

دور الجمارك في معركة الكرامة يتجاوز حماية البضائع إلى حماية الإنسان والسيادة والاقتصاد والهوية. فهي تقف في الصفوف الأمامية، تؤكد أن الدولة ليست مجرد مؤسسات على الورق، بل إرادة حية قادرة على الصمود والتجدد. إنها معدن نفيس، يزداد لمعانًا كلما اشتدت المحن، لتثبت أن الجمارك السودانية ليست مجرد إدارة مالية، بل مؤسسة وطنية تحمل على عاتقها حماية الهوية والاقتصاد والسيادة في آن واحد.

واليوم، بعد أن عادت قوات الجمارك إلى مقرها الرئيسي في الخرطوم لمزاولة مهامها، فإنها لا تعود كإدارة عادية، بل كرمزٍ لمعركة الكرامة، وكشاهدٍ على أن الإرادة الوطنية قادرة على إعادة بناء مؤسساتها مهما كانت التحديات.

هكذا، تتحولت الجمارك السودانية إلى قصيدة وطنية كتبت بالعرق والتضحيات، وتُقرأ في كل ميناء وكل معبر، لتقول للعالم: إن الكرامة لا تُصان بالكلمات، بل بالفعل والإرادة.

زر الذهاب إلى الأعلى