أين تاور وسيف الجامعة من حفلات السودانيين بالخارج؟ بقلم: د. سيف الدين تور الجر

بينما تضج مسارح دبي وغيرها بحفلات “السودانيين بالخارج”، يغيب السؤال الأهم: أين قامات الفن التي شكلت وجداننا؟ أين محمود تاور وسيف الجامعة من هذا المشهد؟ غيابهم ليس صدفة، بل رسالة.. أن الكبار أكبر من أن يُختزلوا في ضوضاء لا تليق بهم.
حين أطالع إعلانات حفلات الجاليات، أجد أسماء تتكرر في دبي وغيرها، فأسأل نفسي: أين تاور؟ وأين سيف الجامعة؟ الإجابة واضحة ومؤلمة: لأنهم أكبر من أن يشاركوا في حفلات “رخيصة” لا تليق بتاريخهم. كل من يقف اليوم ويغني هم تلاميذ أمام فن تاور الراقي، وتلاميذ أمام سيف الجامعة وصوته الذي كان يهز القلوب. هؤلاء القامات لا تليق بهم الأجواء التجارية، ولا الميكروفون الذي يُمنح لمن “يدفع أكثر”.
وهنا تكمن عقدتنا نحن السودانيين. لا نسأل عن الفنان وهو حي، لا نبحث عن صحته، لا نطرق بابه وقت المرض. نبكي عليه فقط بعد الرحيل، ونرفعه إلى عنان السماء بعد أن يصير ذكرى. آخر الشواهد رحيل الفنان القامة مجذوب وأنسة. وهو حي لم يسأل عنه أحد، وبعد وفاته أصبح معبود الجماهير، والكل يتغنى باسمه ويتباكى على أيامه. قبله إسماعيل حسب الدايم ومحمود عبدالعزيز . مرضى في الغربة، حتى السفارات لم تمد يدها، والجمهور اكتفى بالدموع المتأخرة.
واليوم أكرر السؤال بوجع: هل يعرف أحد كيف يعيش *محمود تاور* في ظل هذه الحرب؟ كيف صحته؟ كيف يومه؟ هذا الفنان الذي أبكت أغنيته “يمه الشوق غلب” كل السودانيين، من حلفا إلى حلايب. هذا الصوت الذي سكن وجدان الشعب، صابر لا يرخص نفسه لأحد. محترم لمكانته، متمسك بكرامته الفنية، رغم أن أغلب فناني الشباب اليوم يعيشون على ألحانه ويكسبون من “يمه الشوق غلب” وغيرها دون إذن منه، دون تقدير، دون أن يذكروا اسمه بوفاء.
تاور وسيف الجامعة ليسوا مغنيين موسميين. هؤلاء مدارس، هؤلاء تاريخ. حضورهم هيبة، وصمتهم هيبة، وغناؤهم دواء. فبدل أن نلاحقهم لحفلات “الترند”، كان الأولى أن نكرمهم، أن نؤس لهم، أن نسأل عنهم ونحن نملك الفرصة.
رسالة عاجلة
يا أهل الفن والإعلام والجاليات.. كفاكم بكاءً بعد الموت. اسألوا عن تاور اليوم، عن سيف الجامعة اليوم، عن كل قامة مازالت تتنفس. وفروا لهم الرعاية، وفروا لهم المنصات التي تليق بهم، لا التي تليق بالسوق. فالفنان لا يموت حين يرحل جسده.. يموت حين ننساه وهو حي.


