أديس أبابا، كل ساقطة ليها لاقطة كتب .. عبد اللطيف السيدح

ما حدث في أديس أبابا لم يكن لقاء سياسيا لمناقشة مشكلة السودان بقدر ما كان عرضا حيا على خشبة مسرح التناقض، فالأزمة التي تعيشها بعض القوى التي تدّعي أنها جاءت لإنقاذ السودان، صدق عليها توصيف الأستاذ والإعلامي الساخر حسن إسماعيل، (رسلوها تفتش لأخوها الرايح جاتن (حامل) فقبل أن يتفق المجتمعون على شكل الدولة ومستقبل الحكم، انشغلوا في إدارة خلافاتهم الداخلية ومضارباتهم السياسية التي كشفت حجم الهوة بين الشعارات المرفوعة والواقع المعاش.
المشهد كان أقرب إلى اجتماع شركاء في شركة مفلسة يتنازعون على توزيع الأرباح قبل أن يحققوا أي ربح أصلا. فكل طرف يحمل مشروعاً مختلفا، وأجندة مختلفة، وحسابات مختلفة، لكنهم يجتمعون تحت لافتة واحدة سرعان ما تتصدع عند أول اختبار.
وفي قلب هذا المشهد يقف السياسي المتقلب الأطوار مبارك أردول، متنقلا بين الموائد والمحطات السياسية بخفة لاعب سيرك محترف، يبدل المواقف كما يتنقل المشاهد بالريموت بين قنوات التلفزة، ومن يتابع مسيرة أردول السياسية يحتاج إلى خريطة محدثة كل صباح لمعرفة الموقع الجديد الذي رست فيه سفينته، إن على أردول المتمرد السابق، والمتوقع في أي لحظة، إعادة مبلغ العشرين مليون دولار المنهوبة من ذهب الدولة، والمحتجزة في أحد البنوك المصرية، ثم يأتي ليحدثنا عن مناقب الشريف الرضي والنزاهة والشفافية وعدم السرقة التي يتهم بها خصومه السياسيين.
أما سواقط ولواقط شتات الحرية والتغيير التي تبرزت (صمود) فحديث أقزامها عن الديمقراطية والحريات بات أشبه بخطبة عن التقوى يلقيها تاجر مخدرات. فتجدهم يتحدثون عن عملية سياسية، لكنهم يريدون مسبقا تحديد من يحق له المشاركة ومن يجب أن يقذف خارج الملعب، يتغنون بالتعددية، لكنهم لا يحتملون وجود منافس حقيقي قد يغير نتائج اللعبة، ولعل أكثر ما يثير السخرية أن هذه القوى التي تختلف على كل شيء تقريبا، تتفق فقط على إقصاء خصومها. فإذا سألتهم عن الاقتصاد اختلفوا، وعن الحرب اختلفوا، وعن شكل الدولة اختلفوا، وعن المرحلة الانتقالية اختلفوا، لكنهم يصبحون كتلة واحدة عندما يتعلق الأمر بحرمان المؤتمر الوطني وجماهيره العريضة من حق المنافسة السياسية.
لقد كشف مؤتمر أديس أبابا أن الأزمة ليست في غياب المؤتمرات، وإنما في غياب المشروع الوطني الجامع. فالسودان لا يحتاج إلى المزيد من الصور التذكارية والبيانات الإنشائية، بل يحتاج إلى رجال دولة يقدمون حلولا للناس بدلا من المضاربات داخل القاعات التي دفع تكلفة إيجارها كفيلهم ، ومن يدفع أجرة الأوركسترا يختار اللحن الذي يطربه
وما حدث في أديس يبعث برسالة واضحة للسودانيين، مفادها أن هؤلاء الشركاء المتشاكسين عاجزين عن إدارة خلافاتهم داخل قاعة مؤتمر مكيفة، فكيف سيقودون دولة مثقلة بالحروب والأزمات والانقسامات؟ لقد خرج المؤتمر كما دخل، كثير من الضجيج، كثير من التصريحات، كثير من الحسابات الصغيرة، وقليل جدا من الإجابات على الأسئلة الكبيرة التي ينتظرها الشعب السوداني.


