مقالات الرأي

عبد اللطيف السيدح: يكتب  لا أمل في إصلاح حال الحج السوداني إلا عبر الطلاق بالبينونة الكبرى بين وزارة الشؤون الدينية ، والمجلس الأعلى للحج والعمرة

 

لم يعد الحديث عن إصلاح ملف الحج والعمرة في السودان ترفاً فكريا أو اجتهادا إداريا، إنما أصبح ضرورة وطنية ودينية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل والمساومات. فبعد سنوات طويلة من الشكاوى المتكررة، والمعاناة المتجددة، والإخفاقات التي تتكرر بصورة تكاد تكون سنوية، بات واضحا أن الخلل لم يعد مرتبطا بأشخاص يتبادلون المقاعد أو مسؤولين يتناوبون المواقع، وإنما يكمن في البنية الإدارية نفسها التي تدير هذا الملف الحساس.

إن نجاح مواسم الحج المقبلة رهين بوقوع طلاق إداري بائن بينونة كبرى لاعودة بعدها بين وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمجلس الأعلى للحج والعمرة. نعم، هو أبغض الحلال، لكنه قد يكون العلاج الوحيد لمرضٍ استعصى على المسكنات والترقيعات.

لقد أثبتت التجربة أن أخطر ما يواجه ملف الحج السوداني هو تداخل الصلاحيات وتشابك الاختصاصات وتنازع السلطات بين جسمين يعملان في مساحة واحدة، حتى أصبح الحاج السوداني هو الضحية الوحيدة في معركة النفوذ والمواقع. فلا الوزارة قادرة على ممارسة سلطاتها كاملة، ولا المجلس قادر على أداء مهامه باستقلالية ووضوح، فضاعت المسؤوليات بين الطرفين كما تضيع الأمتعة أحيانا بين المطارات والموانئ.

وفي كل موسم تتكرر المشاهد نفسها، حجاج يرهقهم الانتظار، وأسر تستنزف مدخراتها، وشيوخ ومرضى يطوفون بين المكاتب والإجراءات، بينما تتقاذف الجهات المختصة أسباب الإخفاق وتتنصل من تحمل المسؤولية. أما الحاج الذي جاء ملبيا نداء الله، فلا يجد سوى مزيد من المشقة والعناء والتوهان.

ولعل أكثر ما يثير الأسى أن دولا أقل إمكانات من السودان نجحت في بناء منظومات متطورة لإدارة الحج، بينما ما زلنا ندور في الحلقة نفسها منذ سنوات. تتغير المسميات، وتتبدل الوجوه، لكن النتائج تبقى كما هي، وربما أسوأ.

إن المطلوب اليوم ليس لجنة تحقيق جديدة، ولا ورش عمل حدها الاستهلاك الإعلامي، وإنما مؤتمر وطني عاجل يضع هذا الملف على طاولة التشريح الإداري والقانوني، ويجيب بوضوح عن سؤال جوهري من المسؤول فعلا عن الحج والعمرة في السودان؟

فإما أن يعاد تنظيم المجلس الأعلى للحج والعمرة بقوانين ولوائح واضحة تحدد اختصاصاته وعلاقته بالوزارة دون لبس أو تضارب، وإما أن يلغى هذا الوضع الهجين بالكامل والعودة إلى صيغة الهيئة العامة للحج والعمرة بصلاحيات معروفة ومسؤوليات معلومة.

لقد تعب السودانيون من دفع فاتورة الصراعات الإدارية. وتعب الحجاج من أن تتحول رحلة العمر إلى رحلة معاناة. وتعب الناس من سماع الوعود نفسها بعد كل موسم دون أن يروا إصلاحا حقيقيا على الأرض.

إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة أن “ريما ستعود إلى عادتها القديمة”، بل ربما تعود إليها بصورة أكثر سوءا وتعقيدا. أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ بالاعتراف بأن العلاقة الحالية بين الوزارة والمجلس أصبحت عبئا على الحج لا سندا له، ومشكلة تحتاج إلى حل جذري لا إلى مسكنات مؤقتة.

ويبقى السؤال الذي يؤرق ملايين السودانيين هل يملك أصحاب القرار الشجاعة لفك هذا الاشتباك الإداري المزمن، أم أن المكنكشين بالمناصب والمكاسب سيواصلون الدفاع عن واقع أثبت فشله عاما بعد عام؟

إن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجالاً للمجاملات ولا ساحة لتوزيع النفوذ. إنها أمانة عظيمة، ومن فرط فيها فليتذكر أن دعوة حاج مظلوم قد تبلغ عنان السماء أسرع من أي تقرير أو خطاب أو تبرير.

زر الذهاب إلى الأعلى