مقالات الرأي

أُسَيْدياتُ الثُلاثاء عثمان الشيخ الأُسيد  يكتب المقالاتُ الصفراء

 

قلتُ ليوسف: تعرف عبيد الخلوقَ الذكيَ المتعاون؟ قال:نعم اعرفه، صاحبُك الأصلع المتين صاحبُ النظارات الطبية عدساتُها مثل قاعدةِ الكباية. قلت له: عضاه كلب، قال يوسف: وبعدين؟ قلت له: بعدين هو عضّ الكلب. ضحك يوسفُ وقال: كيف هو عض الكلب، وأين ومتى؟ قلت له: عندما سألتُك عن عبيدٍ، تركتَ كلَ إيجابياته وركَّزت على السلبيات، لتعقدَ مقارنةً اجتماعيةً بينك وبينه بغرض الشعور بالتفوق وتأكيد الذات، وعندما قلتُ لك عضه كلبٌ، لم يثرِ الخبرُ اهتمامَك، لكن عندما قلت لك هو عضَّ الكلبَ اثارك الخبرُ و ضحكت و حاولت أن تعرفَ التفاصيلَ، قال يوسف: هذا شيءٌ طبيعي، أنسيتَ عندما قلتُ لك أنه تم افتتاح مصنعٍ للقطنِ الطبي في منطقتنا، وقلت لي مبروك بكل برود حتى أنك لم ترفع رأسَك من لوحةِ المفاتيح، انا تفهمتُ موقفَك، وهذا شيءٌ طبيعى، لأنَّ الأخبارَ السعيدةَ لم تكن تتطلب ردَ فعلٍ سريع. وبعدها- عندما اخبرتُك بحريقِ ذات المصنع- رفعتَ راسَك، وخلعتَ نظارتَك، وقلتَ لي باندهاش: معقول!! متي وكيف؟ نحن نحبُ سماعَ الاخبارِ المثيرة، نحبُ أن نسمعَ ما يعكر صفوَنا لمعرفةِ حدود الخطر عندنا، وهذا هو سرُّ رواجِ و انتشار الأخبار المثيرة، وسر الإعجاب بالمقالات الصفراء، هي مصطلحٌ إعلامي يُطلق على المحتوى الذي يعتمد على الإثارة، والمبالغة، واختلاق الفضائح بدلاً من نقل الحقائق المجردة. تنتشر المقالاتُ الصفراء إنتشارَ النار في الهشيم ،كلها تتحدث عن الفشل، وسوءِ الإدارة، واتهام الحاكمِ وأعوانه من الوزراء والمستشارين بالفساد، والجهل والغباء. هذه المقالات تبحثُ عن الإخفاقات وتعكسُ أوجهَ القصور، إنقطاع التيار الكهربائي وانتشار الامراض، والإنفلات الأمني، وغلاء المعيشة، وتمثيل دورِ الضحية، وجلدِ الذات، والبكاء على اللبن المسكوب والخوض في الحديث عن ولاة الأمر، وذكر أمورهم، وتتبع اسرارهم. قال يوسف: كلامُك هذا يُذكِّرني ما قاله وزيرٌ لمستشارِه، و ذلك في العام الرابع الهجري، أي قبل أكثر من ألف عامٍ، قال الوزيرُ للمستشار: قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامّةِ من خوضِها في حديثِنا، وذكرِها أمورنا، وتتبّعها لأسرارنا، وتنقيرها عن مكنونِ أحوالنا، ومكتوم شأننا، وما أدري ما أصنعُ بها، وإنّي لأهمّ في الوقت، بعد الوقت، بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيلٍ شديد، لعلّ ذلك يطرح الهيبةَ ويحسم المادّة، ويقطع هذه العادة، لحاهم الله، ما لهم لا يقبلون على شؤونهم المهمّة، ومعايشهم النافعة، وفرائضهم الواجبة؟ ولم ينقّبون عمّا ليس لهم، ويرجفون بما لا يجدي عليهم؟ ولو حقّقوا ما يقولون ما كان لهم فيه عائدة ولا فائدة، وإني لأعجب من لهجهم وشغفهم بهذا الخلق حتّى كأنّه من الفرائض المحتومة، والوظائف الملزومة، وقد تكرّر منّا الزّجر، وشاع الوعيد، وفشا الإنكار بين الصّغار والكبار، ولقد تعايى عليّ هذا الأمر وأغلق دوني بابه، وتكاثف عليّ حجابه، والله المستعان… انتهى كلام الوزير..

قال يوسف: نعم، اللهُ المستعان، لا مانع أن تُعارضَ وأن تُدافعَ، لكن بالتي هي أحسن. يقول الامام الشافعي: وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى

وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ.

قلت: المقالاتُ الموضوعيةُ التي تحمل أفكارًا واقتراحات وحلولًا، لا تجدُ القبولَ ويُعتبر مقالًا مملًا. قال يوسف: والعجيبُ المضحكُ،أن كُتَّابَ المقالاتِ الدراميةِ التي تبكي على اللبن المسكوب، لديهم اقتراحاتٌ وحلولٌ لفتح مضيق هرمز ولدعم المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ولحلِّ ازمةِ الاقتصاد العالمي، أما فيما يخص شأننا، فقط يشمتون ويشتمون، لاحلولَ ولا مبادرات. يقول خبراء الإدارة: إذا نقلتَ المشكلةَ فقط، فأنت مجردُ مراسل، وإذا نقلتَ المشكلةَ مع اقتراحٍ بحلها، فأنت مستشار، وإذا نقلتَ المشكلةَ وبادرتَ في حلها، فأنت قائد. قال يوسف: لذلك أقترحُ لمن لدية الرغبةُ و الوقتُ للكتابة، أن يكتبَ ما هو مفيد أو لا يكتب، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) ثم قال: هل لديك اقتراحٌ أو مبادرةٌ، ام تريدُ أن تكونَ مجرد مراسلٍ، نقلتَ المشكلةَ واكتفيت؟ قلت له: أوافقك القول، من لديه الرغبةُ و الوقتُ للكتابةِ عليه أن يختارَ الموضوعَ،ويختار المفردات، ويتجنب ألا يكونَ كحاطبِ ليلٍ (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) الاسراء 36.. قال الشاعر:

وما من كاتبٍ إلا سيفنى.. ويبقي الدهر ما كتبت يداه.. فلا تكتب بخطك غيرَ شيءٍ.. يسرُك يومَ القيامةِ أن تراه..

كان هذا يُوسفُ و أنا فابقوا معنا، إن كان في العمرِ بقية..

واللهُ أعلى وأعلم..

9 يونيو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى