(الضؤ الشارد) أقلام في مواجهة القيود.. الصحفيون يقرعون أبواب العدالة دفاعاً عن حرية الكلمة.. بقلم الاستاذ/ ملوك ميوت ايواك

ما جرى أمام رئاسة النيابة العامة في بورتسودان لم يكن مجرد تسليم مذكرة احتجاج عادية بل كان رسالة سياسية وقانونية وإعلامية تحمل دلالات أعمق من أوراق المذكرة نفسها. فعندما يتجمع الصحفيون والإعلاميون للاعتراض على محاكمتهم بموجب قانون جرائم المعلوماتية فإن القضية تتجاوز حدود أفراد يواجهون إجراءات قانونية لتصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة وحرية التعبير في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان.
فالصحافة بطبيعتها ليست جريمة والنشر ليس فعلاً جنائياً في الأصل بل هو حق دستوري ومهنة تقوم على نقل المعلومات ومراقبة الأداء العام وكشف مواطن الخلل. لذلك يرى المحتجون أن اللجوء إلى قانون جرائم المعلوماتية في قضايا النشر يفتح الباب أمام توسيع دائرة التجريم ويخلق حالة من القلق والخوف داخل الوسط الصحفي حيث يصبح الصحفي مهدداً بالملاحقة الجنائية بدلاً من مساءلته وفق القوانين المنظمة للعمل الصحفي.
وتأتي هذه الخطوة الاحتجاجية في توقيت بالغ التعقيد إذ يعيش السودان ظروف حرب وانقسام واستقطاب حاد وهي ظروف تجعل الحاجة إلى إعلام مهني ومسؤول أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالمجتمعات التي تمر بالأزمات تحتاج إلى تدفق المعلومات الصحيحة لا إلى تضييق المساحات التي تنقل الحقائق وتطرح الأسئلة الصعبة.
كما أن مطالبة الصحفيين بمراجعة التشريعات المتعلقة بالنشر تعكس إدراكاً متزايداً بأن القوانين الحالية لم تعد تواكب التحولات الرقمية والإعلامية المتسارعة. فالتشريعات التي تُصاغ في أجواء استثنائية غالباً ما تترك آثاراً طويلة المدى على الحريات العامة وقد تتحول من أدوات لتنظيم الفضاء الإلكتروني إلى وسائل لتقييد الرأي المختلف.
اللافت في هذه المذكرة أنها لم ترفع شعار المواجهة مع مؤسسات العدالة بل خاطبت النيابة العامة نفسها باعتبارها جهة قادرة على حماية التوازن بين إنفاذ القانون وصيانة الحقوق الدستورية. وهذا يمنح التحرك بعداً قانونياً وحضارياً يعكس رغبة الوسط الصحفي في معالجة الأزمة عبر المؤسسات لا عبر التصعيد.
فحرية الصحافة ليست امتيازاً للصحفيين وحدهم بل هي حق للمجتمع بأسره. وعندما يشعر أصحاب الأقلام بأن مساحات التعبير تضيق فإن الخاسر الحقيقي ليس الصحفي بل المواطن الذي يبحث عن الحقيقة. لذلك تبقى مذكرة بورتسودان جرس إنذار يدعو إلى مراجعة جادة للتشريعات حتى لا تتحول الكلمة إلى متهم دائم ولا يصبح القلم واقفاً كل يوم في قفص الاتهام.


