مقالات الرأي

ريحة البلد عندما يتكلم البرلمان يصمت تجار السياسة بقلم: د. سارة عبد العزيز الزبير

 

ليست قوة الدول في ارتفاع مبانيها ابدا

ولا في اتساع طرقها

ولا في كثرة مؤسساتها

قوة الدولة في قدرتها على أن تجعل المواطن حاضرا في قلب القرار

فالدولة التي تسمع شعبها قبل أن يصرخ وتستجيب لاحتياجاته قبل أن تتحول إلى أزمات

هي دولة أدركت أن الإنسان والمواطن هو أساس التنمية وغايتها

هذا المعنى تجسد أمامي وأنا أتابع إحدى جلسات مجلس الشورى في سلطنة عمان على قناة عمان الفضائيه

لم تكن الجلسة استعراضا سياسيا

ولا منبراً للمزايدات

إنما كانت مساحة حقيقية يتحدث فيها أعضاء المجلس عن الطرق والمستشفيات

والخدمات والتنمية

واحتياجات المواطنين بحضور الوزراء والمسؤولين التنفيذيين

ما لفت انتباهي لم يكن مجرد طرح القضايا

وإنما الطريقة التي طرحت بها كان الحديث يحمل صدقا وإحساسا بالمسؤولية

وكأن المتحدثين يحملون هموم الناس على عاتقهم

لا هموم أحزابهم

كانوا يناقشون احتياجات المواطن باعتبارها أولوية وطنية لا مادة للجدل السياسي أو وسيلة لتحقيق المكاسب

وهنا أدركت أن قوة المؤسسات ليست في أسمائها

القوة في أدائها

فحين يكون للمواطن ممثل حقيقي داخل المؤسسة التشريعية

يصل صوته إلى المسؤول عبر الطريق الصحيح وتتحول المطالب إلى ملفات

والملفات إلى قرارات والقرارات إلى خدمات يشعر بها الناس في حياتهم اليومية

إن البرلمان الحقيقي لا يقاس بعدد جلساته

ولا بعدد الكلمات التي تلقى تحت قبته

وإنما بقدرته على أن يكون ضمير المجتمع

ولسان المواطن ورقيبا على أداء السلطة التنفيذية

فإذا نجح في هذا الدور أصبح صمام أمان للدولة

وجسراً بين الحاكم والمحكوم *وأحد أهم أسباب الاستقرار*

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة في السودان إلى مؤسسات وطنية قوية تجعل المواطن محور اهتمامها الأول

فقد عانى السودانيون سنوات طويلة من الأزمات والحروب والانقسامات

بينما بقيت قضايا الخدمات الأساسية والتنمية ومعيشة الناس في كثير من الأحيان بعيدة عن صدارة المشهد العام.

لقد اعتاد المواطن السوداني أن يسمع كثيرا من الخطابات التي تتحدث باسمه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه

كم من هذه الخطابات تحولت إلى مدرسة بنيت؟ أو مستشفى افتتح؟ أو طريق أُنجز؟ أو خدمة وصلت إلى قرية كانت تنتظرها منذ سنوات؟

إن المواطن لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى من يعمل من أجله

فالكلمات مهما بلغت بلاغتها لا تعالج مريضا ولا تعيد نازحا إلى منزله

ولا توفر فرصة عمل لشاب، ولا تبني جسراً يربط بين المدن والقرى.

ولهذا فإن وجود برلمان قوي ونزيه ومستقل ليس ترفا سياسيا إنما ضرورة وطنية

برلمان يضم رجالا ونساء لا يبيعون مواقفهم

ولا يخضعون للضغوط

ولا يجعلون مصالحهم الخاصة فوق مصلحة الوطن

نوابا يدركون أن المقعد الذي يجلسون عليه ليس امتيازا انما أمانة

وأن كل كلمة يقولونها يجب أن تحمل صوت المواطنين وآمالهم.

إن المسؤول الواثق من نفسه لا يخشى النقد، ولا ينزعج من سماع احتياجات الناس

لأن خدمة المواطن ليست منة يتفضل بها أحد وإنما واجب تؤديه مؤسسات الدولة. فالأموال التي تنشأ بها الطرق والمستشفيات والمدارس ليست هبات شخصية من المسؤولين هي حقوق المواطنين

تدار من خلال موارد الدولة ويجب أن تعود عليهم تنمية وعدالة وخدمات.

وليس المقصود من الإشادة بتجربة مؤسسية في أي بلد أن يدعى أنها خالية من التحديات أو الأخطاء

فالكمال ليس من صفات الأنظمة البشرية

لكن الحكمة تقتضي أن نتعلم من التجارب التي تنجح في ترسيخ العمل المؤسسي وتعزيز الحوار، وتقوية أدوات الرقابة والمساءلة لأن الأمم تتقدم حين تتعلم

لا حين تنغلق على نفسها.

إن السودان، بعد كل ما مر به، لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المتصارعة، بل إلى مؤسسات تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم، تسمع المواطن قبل السياسي، وتضع الوطن فوق كل الحسابات الضيقة.

فحين يجد المواطن من يمثله بحق، لن يضطر للبحث عن من يتحدث باسمه خارج المؤسسات. وحين يؤدي البرلمان رسالته كما ينبغي، تضيق المساحة أمام المزايدات، وتتراجع الفوضى، ويصبح التنافس على خدمة الناس، لا على استغلال معاناتهم.

الدول لا تبنى بالشعارات ولا تستقر بكثرة الأحزاب،

ولا تنهض بعلو الأصوات، وإنما تقوم على مؤسسات قوية، وقانون عادل، ورقابة مسؤولة، وتمثيل صادق للمواطن.

وحين يصبح البرلمان بيتا للمواطن قبل أن يكون منصة للسياسة، تبدأ الأوطان في السير بثبات نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً وكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى