مقالات الرأي

حكومات تجي وحكومات تروح كابتن محمد حسن الطاهر

 

التاريخ : أغسطس. 5. 2026

 

الحياة السياسية تشبه حركة المرور في مدينة مزدحمة: سيارات تدخل وأخرى تغادر، لكن الطريق يبقى هو الطريق. من خلال هذه الاستعارة نستطيع أن نفهم كيف أن الحكومات، مهما طال بقاؤها أو قصر، ليست سوى عابرين في مسرح التاريخ الذى يؤرخ لها باللوصف والوظيفة

يقول العلماء لفهم أي شيء في العالم، نحتاج إلى سؤالين أساسيين هما الوصف والوظيفة :

– الوصف يحدد النوع: مثل أن نقول هذه سيارة، أو تلك حكومة.

– الوظيفة تحدد الدرجة: فشتان ما بين سيارة “كومر” قديمة و”بي إم دبليو” حديثة،

كلاهما يؤدي وظيفة النقل، لكن بدرجات مختلفة من الكفاءة والراحة.

 

الحكومات أيضًا كذلك: قد تتشابه في الوصف، لكنها تختلف في الوظيفة، أي في قدرتها على خدمة الناس، إدارة الموارد، وصناعة المستقبل.

الحكومات في أغاني مصطفى سيد أحمد تمثل هذا النموذج حيث نجد العبارة الشهيرة: “حكومات تجي وحكومات تروح”.

هذه الجملة ليست مجرد وصف لحركة السلطة، بل هي رؤية فلسفية بأن الحكومات ليست أبدية، وأن معيار الحكم الحقيقي هو أثرها في حياة الناس، لا مجرد بقائها في الكرسي.

النجاح والفشل في الحكم لا يقاسان فقط بالقرارات أو الإنجازات المادية، بل أيضًا بـ السرديات المؤسسة التي تتركها الحكومات وراءها :

– حكومة قد تفشل اقتصاديًا لكنها تترك سردية وطنية ملهمة.

– وأخرى قد تنجح في التنمية لكنها تفشل في بناء الثقة أو العدالة.

 

السردية هي ما يبقى في ذاكرة الشعوب بعد أن ترحل الحكومات

 

لا تفتح «الكبوت»

 

في أحد الأيام التقيت صديقًا لم أره منذ مدة. تبادلنا السؤال المعتاد عن الأهل والأبناء، وعن أخبار الحياة التي تمضي بنا جميعًا، كلٌّ بطريقته. وفي أثناء الحديث ذكرت له أنني أجريت بعض الفحوصات والتحاليل الطبية الدورية، لا لشكوى أشعر بها، وإنما للاطمئنان، كما توصي الإرشادات الطبية لمن هم في مثل مرحلتي العمرية.

 

ابتسم ابتسامة من يعرف شيئًا لا أعرفه، ثم قال:

 

“لا تفتح الكبوت.”

 

نظرت إليه مستغربًا، فأكمل حديثه قائلاً:

 

“نحن في هذا العمر مثل السيارة القديمة. تمشي على الطريق، وتؤدي مهمتها، رغم أنها تحمل في داخلها أعطالًا لا نعرفها. فإذا فتحت الكبوت بدأت تكتشف خللًا هنا، وتسربا هناك، وقطعةً انتهى عمرها الافتراضي، وربما أعطالًا لا يمكن إصلاحها أصلًا أو لم تعد قطع غيارها موجودة. فإذا كانت السيارة تسير… فلا تفتح الكبوت.

اتفقنا ؟ ،،

 

لا تفتح الكبوت القصة التي رواها الصديق عن “لا تفتح الكبوت” تصلح أن تكون استعارة بليغة للحكومات أيضًا.

السيارة القديمة قد تسير رغم أعطالها، لكن فتح الكبوت يكشف هشاشتها.

كذلك الحكومات: قد تبدو مستقرة، لكنها تحمل في داخلها أعطالًا بنيوية، فسادًا، أو ضعفًا في المؤسسات.

الفرق أن السيارة يمكن أن تستمر رغم أعطالها، أما الحكومة، فإن أعطالها قد تعني انهيار المجتمع كله.

 

الخلاصةالحكومات تأتي وتذهب، لكن الشعوب تبقى. والفرق بين حكومة وأخرى ليس في اسمها أو مدتها، بل في وظيفتها:

– هل خدمت الناس أم أثقلت كاهلهم؟

– هل تركت سردية نجاح أم سردية فشل؟

تمامًا مثل السيارات، ليست المسألة في أن تكون لديك “حكومة” فقط، بل أي نوع من الحكومات، وبأي وظيفة تؤديها.

زر الذهاب إلى الأعلى