مقالات الرأي

ياسر زكي محمد يكتب .. سوء الفهم لا يوجد سجن أضيق من سوء الفهم

 

سجنٌ بلا جدران، ولا قضبان، ولا حراس.. ندخل إليه بإرادتنا، ونحبس فيه من نحب، ونحاكم فيه النوايا بلا بيّنة، ونصدر أحكاماً بالإعدام بلا مرافعة.

 

أسوأ ما في سوء الفهم أنه لا يحتاج إلى دليل. تكفيه نصف جملة، ونظرة عابرة، ورسالة قُرئت بنبرة لم يقصدها صاحبها، ليبني رواية كاملة ويقسم أنها الحقيقة المطلقة.

 

لقد أصبحنا في هذا الزمن خبراء في إساءة الظن، وهواة جداً في حسن السؤال.

نستمع لكي نرد، لا لكي نفهم.

نستمع لنتصيد زلة، لا لنلتمس عذراً.

ونحكم على ما في القلوب كأننا شققنا عنها، ونسينا أن النوايا وحدها لا يعلمها إلا الله.

 

والحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها هي:

 

*ومن أراد أن يراك سيئاً، سيجد في صمتك تهمة، وفي كلامك تهمة، وفي نجاحك سبباً لغضبه.*

 

إنه لا يبحث عن حقيقتك، بل يبحث عن دليل يؤكد ظنه السيئ بك. لقد اختار لك زاوية مظلمة وضيقة، ووضعك فيها عنوة، ثم خرج إلى الناس يقول: هذا هو وجهه الحقيقي.

 

سوء الفهم لا يقتل العلاقات بضربة قاضية، بل يقتلها ببطء.. بالتقسيط.

 

كلمة تُفسر في غير موضعها.

ورسالة تُقرأ ببرود وهي كُتبت بحب.

وتأخرٌ في الرد يُترجم فوراً على أنه تجاهل.

وصمتٌ قصير يُفسر على أنه تكبر.

 

وهكذا، دون أن نشعر، نُشيّع كل يوم صداقات لم تمت بخنجر الخيانة، بل ماتت مسمومة بجرعة صغيرة من سوء فهم، لم نمنحها ترياق التوضيح.

 

كم من أخ قاطع أخاه لسنوات، لا لذنبٍ عظيم، بل لظنٍ صغير احتضنه في صدره حتى كبر وصار وحشاً سدّ كل منافذ العذر؟

 

لهذا، أراحتني قاعدتان:

 

*الأولى:* إذا خانك التعبير يوماً، فلا يخنك التوضيح. قل: خانني اللفظ، لم أقصد. امنح الحقيقة فرصة لتلتقط أنفاسها.

 

*الثانية:* إذا أساء إليك أحدهم بفهمه، فلا تُتعب قلبك في إقناع من اختار سلفاً ألا يفهمك. بعض العقول أغلقت أبوابها من الداخل، ومهما طرقتها، لن تسمع إلا صدى ظنونها.

 

اترك مسافة مقدسة دائماً بين ما يُقال، وما يُفهم.

 

واحفظها عني وارتح:

 

*من يريد أن يفهمك، سيفهمك ولو كان كلامك متقطعاً، وسيجد في صمتك حكمة.*

 

*ومن لا يريد أن يفهمك، لن يفهمك ولو شرحت له كل حرف، وسيصنع من حكمتك تهمة، ومن نجاحك تهديداً له.*

 

فلا تشرح كثيراً.. العقول المغلقة لن تقتنع ولو أضأت لها أصابعك العشر، والقلوب النقية لا تحتاج إلى شرح، يكفيها أنك بقيت على أصلك.

زر الذهاب إلى الأعلى