سوا بنقدر بقلم : كمال الدين إدريس

بعض الحكايات لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ يكفي أن تمر أمام القلب حتى يفهمها، وليس أقسى على الفؤاد من فقد فلذة الكبد.
هناك أمهات يبكين أبناءهن حتى آخر العمر، وهناك أمهات يحملن أبناءهن بعد الرحيل، ويمضين بهم في الحياة، وشذاهم يفوح دون انقطاع.
السيدة إحسان واحدة من هؤلاء؛ فهي والدة الراحلة د. آلاء أبوسن، إحدى العضوات المؤسِّسات لحركة السودان الأخضر، المنظومة الوطنية المجتمعية الشاملة التي تتبنى «الحوكمة البيئية» إطاراً ناظماً لنشاطاتها.
لم تكن إحسان تعرف، وهي تستقبل تكريم الحركة لابنتها، أن موقفاً صغيراً منها سيصنع كل هذه الدهشة.
منحتها الحركة عضوية دائمة فخرية، مع إعفاء كامل من سداد الاشتراكات، تقديراً لحرصها على تسديد الاشتراكات، ولما ضربته من قدوة ومثل ونموذج، ووفاءً لآلاء، وتقديراً لأثرها الذي لم ينقطع برحيلها.
وكان يمكن للأم أن تقبل التكريم، وتشكر فريق قيادة الحركة، وتنتهي الحكاية.
لكنها لم تفعل؛ بل بادرت إلى ترسيخ اسمها بتسديد اشتراك العضوية، رغم أن العضوية مُنحت لها مجاناً، مع مسمّى تشريفي: «أم حركة السودان الأخضر».
قد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً لا يستحق أن نتوقف عنده، لكنه، في الحقيقة، هو الحكاية كلها.
فالأم لم تكن تدفع مالاً للحركة بقدر ما كانت تدفع من قلبها رسالة تقول: إذا كانت ابنتي قد تركت أثراً بينكم، فأنا أريد أن أكون جزءاً من هذا الأثر.
كانت الحركة تقول لها: نحن نكرّم آلاء.
وكانت إحسان تقول لهم: وأنا أوفي لآلاء بأن أبقى حيث أحبت.
هنا يصبح الاشتراك موقفاً، وتصبح العضوية وفاءً، ويصبح الفقد نفسه طريقاً جديداً للحياة.
يا لها من مفارقة! أم فقدت ابنتها، لكنها لم تسمح للفقد أن ينتزع منها قدرتها على العطاء.
وفي بلد أثقلته الحرب، وتعبت فيه الأرواح من الخصومة والانقسام، تأتي حكاية صغيرة كهذه لتذكّرنا بأن السودان لم يفقد كل شيء.
ما زالت فيه أم تستطيع أن تحوّل الحزن إلى وفاء.
وما زال فيه أناس يرون الإنسان قبل التنظيم، والمحبة قبل الاختلاف، والوطن قبل الحسابات الضيقة.
ولذلك لم تكن إحسان، في هذه الحكاية، مجرد أم لآلاء.
لقد أصبحت جزءاً من إرثها، وأبقت الباب مفتوحاً أمام حضورها.
وهذا، ربما، هو أصدق ما يمكن أن يفعله الإنسان لمن يحب: ألا يسمح للفقد أن يكون الكلمة الأخيرة.
رحم الله آلاء، ورحم الله كل من غادروا السودان وفي قلوبهم وطن لم يكتمل.
وبارك الله في إحسان، التي علّمتنا، من غير خطبة ولا شعار، أن المحبة الحقيقية لا تنتظر مقابلاً، وأن الوفاء ليس كلمة تُقال في مواسم الرثاء، وإنما فعل صغير قد يكون في صورة يد تمتد، أو قلب يقرر ألا يغلق أبوابه.
وفي زمن كثرت فيه الأشياء التي تفرّق السودانيين، ربما نحتاج إلى أن نتذكر الأشياء التي تجمعهم.
أم مثل السيدة إحسان، ومحبة تقول إن السودان، رغم كل جراحه، لم يفقد قلبه بعد.
**وسوا بنقدر.**


