كيفما د. غالب محمد طه يكتب .. من يحرس لقمتنا؟

قبل يومين كتبت مقالًا بعنوان «حين يعود الضوء.. من يضمن أن يبقى؟»، عن أسرة سودانية تخيلتُ أنها استعادت الكهرباء بعد شهور من الظلام بفضل منظومة صغيرة للطاقة الشمسية. واليوم، في السادس عشر من أكتوبر، أعود إلى البيت نفسه. أرى الأم تضع الطعام أمام أطفالها، وأفكر في شيء لا يظهر على المائدة: ماذا جرى لهذا الغذاء قبل أن يصل إليها؟
يأتي يوم الأغذية العالمي بعد يومين من اليوم العالمي للمواصفات. ولي مع المناسبتين ذكريات من سنوات عملي الإعلامي في الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس. كنا نجتهد لتقريب حديث المختبرات واللجان الفنية إلى الناس، وكان سؤال المستهلك أبسط من المصطلحات التي نستخدمها: هل ما أشتريه آمن؟
في شبابي رافقت بعض الحملات الرقابية على الأغذية، وشاهدت عن قرب كيف يمكن أن تكشف زيارة موقع الإنتاج ما لا يستطيع المستهلك معرفته وهو يقف أمام السلعة في السوق. بقيت معي من تلك التجارب قناعة بأن بعض أخطار الغذاء تبدأ بعيدًا عن أعين المشترين، وأن هناك عملًا مهمًا ينبغي أن يُنجز قبل وصول المنتج إلى أيديهم. وقد عرفت يومها قيمة التدخل الرقابي حين يكشف مخالفة ويحول دون تعريض صحة الناس للخطر.
قد يقرأ المستهلك تاريخ الصلاحية ويتفحص الغلاف، وهذه أمور مهمة. لكنه لا يستطيع أن يعرف بعينيه ما حدث أثناء الإنتاج، وبعض أخطار الغذاء لا تظهر في اللون أو الرائحة. فكيف نحمي الأسرة مما لا تستطيع اكتشافه؟
هنا يأتي دور المواصفات التي تحدد متطلبات السلامة، والفحص والرقابة اللذين يتحققان من الالتزام بها ويكشفان المخالفات. وقد تُمنع سلعة غير آمنة من الوصول إلى السوق دون أن يسمع الناس شيئًا عن الخطر الذي جرى تفاديه. في مثل هذه النتائج تظهر قيمة العمل الوقائي، ويستحق من يؤديه في المختبرات والميدان تقديرًا خاصًا. فأحيانًا يكون نجاحهم في شيء لم يحدث، وفي ضرر لم يصل إلى الناس.
أعرف قيمة التوعية؛ فقد قضيت فيها سنوات. من واجبنا أن نشرح للمستهلك كيف يختار ويحفظ غذاءه ويُبلّغ عن المخالفة. لكن المعرفة لا تمنحه القدرة على فحص ما جرى داخل المزرعة أو المصنع. لا تملك الأم مختبرًا، ولا يُفترض أن تحتاج إليه عند كل عملية شراء. ومسؤولية المنتج والتاجر والجهات الرقابية تبدأ قبل أن تصل السلعة إلى يدها، وتستمر بعد ذلك متى استدعى الأمر.
وقد يرى صاحب مزرعة صغيرة أن الاشتراطات تزيد أعباءه. أفهم هذا القلق، خاصة مع ما يواجهه المزارعون السودانيون من صعوبات. يحتاج المنتج إلى إرشاد واضح ومساندة تعينه على الالتزام، وإلى رقابة عادلة تحميه من منافسة من يغش. ومن حقه أن يعرف ما هو مطلوب منه، وأن يجد المساعدة لتصحيح ما يمكن تصحيحه، مع الحزم حين تكون صحة الناس معرضة للخطر.
وفي هذا اليوم أحيّي من ظل يزرع ومن يحاول العودة إلى أرضه رغم آثار الحرب. ولا أظن أن تحية المزارع تكتمل بالكلمات وحدها؛ فجهده يستحق الحماية بعد الحصاد.
كبرنا ونحن نحلم بأن يكون السودان سلة غذاء العالم. أحب هذا الحلم وأرجو أن نراه واقعًا. لكن الثقة التي نريد لمنتجاتنا أن تكسبها في الأسواق البعيدة تبدأ من موائدنا. وحين تضع أم سودانية الطعام أمام أطفالها، من حقها أن تطمئن إلى أن أحدًا أدى واجبه قبلها.
وبالله التوفيق.


