الدراية قبل الرواية.. حين يفقد الصحفي بوصلته،، بقلم : أحمد عبدالكريم عبداللّٰه

من 24 إلى 31 أكتوبر من كل عام يحتفل العالم بالأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية، وهو الذي أقرته اليونسكو وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2021، بغرض تذكير الصحافة نفسها بدورها ،وليس مناسبة للاحتفال بالصحافة،
ويجيئ شعار هذا العام 2026 (كلنا نلعب دوراً – الدراية الإعلامية من أجل الناس) وهو يحمل فى مضمونة رسالة مباشرة للصحفيين مفادها (أنتم لستم وحدكم في الميدان)، بحسبان أن كل مواطن يملك هاتفاً أصبح صحفياً، فما الذي يميز الصحفى من المواطن إذاً؟
الذي يميز الصحفي المهنى الحقيقي عن المواطن ناشر الواتساب هو الدراية، والدراية فى أبسط صورها هي القدرة على التمييز بين الرأى والخبر ، وبين الشائعة والحقيقة ، وبين المصدر الموثوق الذى تفرض المهنية الإعتماد عليه وبين المصدر المزيف فاقد الهوية والثقة، وبين ما يجب المسارعة إلى نشره ، وما يجب التريث والتحقق منه قبل نشره،
وفى تقديرى أننا في السودان نعيش اليوم أزمة دراية قبل أن تكون أزمة خبر ،
سيما فى ظل مجريات هذه الحرب اللعينة ، فنتج عن ذلك ضعف ثقة المواطن في الرسالة الصحفية وذهب إلى قروب الواتساب يبحث عن الحقيقة فوجد مرتعاً للشائعة أكبر ،
لذا تأتى أهمية الدراية كحامية للشعوب وليس المعلومة وحدها ، واليونسكو بتخصيصها لذلك الأسبوع والشعار الذى رفعته فهى تقول بوضوح أن إغراق الناس بالمعلومات لا يجعلهم واعين، بل يجعلهم أرائهم يشوبها التشويش وفقدان الرؤى، ومهمة الصحافة ليست أن تضيف لذلك التشويش والفقدان، بل أن واجبها المنوط هو نفيه عبر طرح الحقيقة المجردة الواضحة عبر رسالة تقول للناس هذا صحيح وذاك كاذب ،وهنا بيت القصيد لأن الصحافة التي لا تملك دراية معلوماتية لا تستطيع أن تدافع عن قضايا شعوبها ،
لقد كانت إذاعة هنا أم درمان والصحف السودانية ، حتى وقت قريب تمثل خير نموذجاً للدراية، كان الخبر يمر بثلاثة محررين ومدقق لغة ورقيب أخلاقي قبل أن يخرج للناس، بينما نجد اليوم أن الخبر يخرج من المخبأ المجهول إلى الواتساب في ثوانٕ معدودة،
لذا فمعركة الصحافة السودانية القادمة ليست معركة حرية تعبير فقط، بل معركة دراية ومصداقية ،
والمطلوب ليس شعارات، بل إدخال مادة الدراية الإعلامية والمعلوماتية في كليات الإعلام، ولا يكفي أن نعلم الطالب كيف يكتب الخبر، بل يجب أن نعلمه كيف يكتشف ويكشف الخبر الكاذب ، كذلك تدريب الصحفيين الميدانيين على أدوات التحقق الرقمي، وكيفية إكتشاف الصورة المفبركة، وكيفية تتبع مصدر الفيديو ، ومن المهم جداً أن تعود الصحافة إلى الشارع، إلى قضايا الناس الحقيقية فتلك هي التي من أجلها أُوجدت الصحافة،
وفى مقولة لمدير عام أسبق لليونسكو مفادها أن الأمية في القرن الحادي والعشرين ليست عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل عدم القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة ،
وإذا فقدت الصحافة هذه القدرة، فقدت دورها ، وإذا فقدت الصحافة دورها، فقد الشعب بوصلته ،
فليكن أسبوع الدراية تذكيراً لكل الصحفيين فى بلادنا قبل أن يكون تذكيراً للناس لأن يتعلموا قبل أن يكتبوا، ويتثبتوا قبل أن ينشروا، فأنتم آخر قلاع الحقيقة حين يغرق كل شيء في الشائعة ،


