مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد رمضان على الأبواب

 

هذ المقال فيه دينٌ و فلسفةٌ وفوائدُ وتسليةٌ و بِشارةٌ. أوَّلُ ما أبدأ به الفلسفة، مشيرًا إلى الخطأ في العنوان: (رمضان على الأبواب) والصحيح نقول: نحن على أبواب رمضان، وليس رمضان على الابواب.. كيف يكونُ على الأبواب، أبواب من يا ترى؟ أبواب بيوتنا؟ أبواب المساجد؟ أبواب الاسواق؟ أي أبواب، وكيف يكون على الأبواب، وهو شهر ثابت لا يتحرك، كسائر الشهور، بل كسائر الأزمنة، نعم الزمن ثابت نحن الذين نتحرك نحوه. تقول نظريةُ أنشتاين في مفهوم الزمان والمكان أو مفهوم (الزمكان) تقول النظرية- و التي أقتنع بها تمامًا- وباختصار شديد: أن الزمان هو (بُعْدٌ رابعٌ) في الفضاء يشبه أبعاد الطول والعرض والارتفاع. ومعنى هذا أنه ليس مجموعةً من الثواني والدقائق، بل بالأحرى هو خطٌ ممتدٌ بين أيدينا كخط الطول- مثلا- ونحن نمرُ عليه خطوةً بعد خطوة. هو إذن لا يمر بنا ولكن نحن نمر به، وهذا يعنى أننا مررنا خطوةً بخطوةٍ، حتى وقفنا عندَ باب رمضان. ثم يضرب انشتاين مثلًا في ذلك فيقول: يمكن تشبيه الإنسان بالنسبة للزمان كراكب الدراجة الذي ينظر إلى الأرض فيراها تتحرك تحته مسرعةً كأنها تمر به، والواقع أنه هو الذي يمر عليها وهي واقفة.. انتهى كلام انشتاين.. كعادتي، أُسقطُ أي قانونٍ كوني أو نظرية على الكتاب والسنة، ونظرية الزمان هذه وجدتها في القرآن الكريم، من هنا جاءت قناعتي بها، فالقرآن يقول إنَّ هناك يوماً طوله ألف سنة، ويوماً يبلغ طوله خمسين ألف سنة في قوله تعالى: (يدبر الأمرَ من السماءِ إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنةٍ مما تعدون).. وقال تعالى: (تعرجُ الملائكةُ والروح إليه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة).. لو كان هناك زمنٌ ثابتٌ فلماذا هذا الاختلاف في المدة؟ إذًا الأمر يتعلق بسرعة مررونا نحن على خط البعدِ الرابع، وهو الزمن. ( ألم أقل لك إنَّ في الامر فلسفة؟).. رمضان ثابت لا يتغير وسيبقى ما بقيت الحياة على الأرض، أما نحن فذاهبون وسيأتي بعدنا أقوامٌ يصومون رمضانَ كما كان الذين من قبلنا(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.. البقرة 183).. أقول نحن على أبواب رمضان، وليس رمضان على الابواب، فهذا اجتهادٌ مني وهو ما توصلت اليه، وقد تكون هناك معلومةٌ غائبةٌ عني، ومن له علمٌ بذلك فليعمل معروفًا و يزودنا بها، لأن في ذلك خيرًا له ولنا
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ..
قد يقول قائلٌ: إنَّ هناك حديثًا صحيحًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يثبت أنَّ رمضانَ هو الذي يأتي الينا، فقد قال رسولَ اللَّهِ ﷺ : إِذا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجنَّةِ، وغُلِّقَت أَبْوَابُ النَّارِ، وصُفِّدتِ الشياطِينُ.. أقول: نعم، الحديث صحيح، ولكن الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- كان يخاطبُ الناسَ بما تبلغه عقولهم، و أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مَسْعُودٍ قالَ: ما أنْتَ بمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلَّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً..
أمَرَ الشَّرعُ العُلماءَ أن يَتحدَّثوا إلى النَّاسِ بما تَفهَمُه عُقولُهم، وأن يُراعيَ المُتحدِّثُ قُدُراتِ النَّاسِ المُختلِفةَ، من حيثُ الفَهمُ والإدراكُ، فيَعِظَهم ويُعلِّمَهم بالتَّدرُّجِ، ولا يُلقِيَ عليهم ما لا يَستطيعون فهمه.. إنتهى.. ولكن أين الإشكالية في أن نقول (رمضان على الأبواب) لا بأس طالما هي عبارةٌ لا تؤثر على المبنى، سيما أن هناك من يقول: (خطأٌ شائعٌ خير ةٌ من صوابٍ مجهول) والقصد معروف.
وبعد ان نلنا شيئًا من الفلسفة، ومن الفائدة، و قليلًا من التسلية، كان واجبٌ عليَّ أن اوفيَ بوعدي ونأخذ فائدةً من الدين. أقول طالما القصد معروف من عبارة رمضان على الأبواب، والقاعدة الشرعية تقول (الأمور تبعاً لمقاصدها) هذه قاعدة من خمس قواعد أُسِّسَ عليها الفقهُ الإسلامي، والقواعدُ الخمس أولها: أن المشقةَ تجلبُ التيسيرَ.. و ثانيها: لا ضررَ ولا ضرار.. و ثالثها: لا يُرفع يقينٌ بشك.. و رابعها: ان الأمورَ تبعا لمقاصدِها (وهذه هي التي تعنينا وتعيننا في موضوعنا هذا).. والقاعدة الفقهية الخامسة هي: أنَّ العادةَ محكمة (المراد بالعادة أي الأمر المتكرر وقوله محكمة بمعنى يرجع إليها في الحكم عند الاختلاف في بعض المواطن، وذلك أن الشريعةَ قد جعلت للعرف مكانًا لعدد من المسائل) لذلك قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ..الأعراف (199).. لا أعرف ترتيبًا لهذه القواعد الخمس، والترتيب أعلاه جعلتُه حسب ما أسعفتني الذاكرة.
نحن على أبواب رمضان، فهل انت جاهزٌ للدخول؟ إن لم تكن جاهزًا، فاجهز، وهناك شرطٌ واحدٌ وبسيط للدخول، وهو النية، فالنيةُ شرطٌ لصحة جميع العبادات (إنما الأعمال بالنيات) لا يقبل اللهُ عملًا من غير نية، لا صيام لمن لا يبيّت النية من الليل، كما جاء في حديث ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : لا صيام لمن لم يبيت النيةَ من الليل.. إنتهى الحديث.. قد يقول قائل: يا شيخ، لقد عقدت الموضوعَ وحجرت واسعًا، كيف ذلك والإنسان عرضةٌ للنسيان؟ يقول العلماء: هذا فيما يخص صيام رمضان، لا بد من تبييت النية لصيام يوم رمضان قبل الفجر كل يوم، وإلا فإنه لا صيام لك، أمّا صيامُ النفل، فيمكن للنيّة أن تكون لاحقةً في النهار إن كان ممسكاً من أوّله. من حقك ان تقول إنّ الذي يهمني هو صيام رمضان، قد أنسى ولا أنوي على صيام يوم غدٍ في رمضان مثلا، فهل لا صيامَ لي في هذا اليوم؟ مهلًا يا أخي، هنا البشارة كما وعدتُك في أول المقال، وهي كالتالي: يقول العلماءُ: النية عملٌ قلبي، فإذا عزمت على عمل شيءٍ، فهذه هي النية فالنية هي العزم، ويقول إنَّ القاعدةَ الشرعيةَ تقول: (النية تتبع العلم) فإذا علمت أنك ستصوم رمضان غداً فقد نويتَ.. إنتهى.. مأجور يا شيخنا على هذه البشارة، بشرك الله بالجنة..
هنيئًا لي ولكم ولسائرِ المسلمين بمرورنا ما دمنا أحياءَ على هذا الشهر الجميل، الشهر الكريم الشهر الفضيل. اللهمَّ مُدَّ في أعمارِنا حتى نمرَ على هذا الشهرِ الكريم واجعلني و إياكم من الفرحين حين يُقال: (أين الصائمون ليدخلوا الجنةَ من بابِ الريان الذي لا يدخله أحدٌ غيرهم) وفقنا الله جميعًا لحسنِ الصيام والقيام..
والله أعلى واعلم..
18 فبراير 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى