أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد يكتب النبلاء السودان في العصر النبوي و الراشدي و الأموي و العباسي(6)

إختتمنا مقالَنا السابق عن سعيد بن جبير بمناقبِ الحجاج بن يوسف، ثم ودعنا قريبنا يزيد بن أبي حبيب الدنقلاوي بعد أن رشح لنا ( الأحنف بن قيس سيد بني تميم) ووصفه لنا، حتى إذا التقيناه، عرفناه.
*الأحنف بن قيس*
قلتُ ليوسفَ: هذا الرجل الذي يحيط به عشراتُ الرجال، أنا أعرفه، قال لي: من أين لك معرفته؟ قلت: من وصف يزيد له، هذا الرجل قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل. لم يكن غير الأحنف بن قيس سيد تميم.. قال يوسف: هذه مجرد احتمالات، قلت له: إنه هو، واتحداك، وسوف اكسبُ الرهانَ، قال: أنا لا أدري ولكن أتمنى ألا تكسبَ الرهان. سألتُ أحدَ المارة: أين أجد سيِّدَ بني تميم؟ فاجاب: هو ذاك الرجلُ الأسمر غائر العينين، الذي ترونه محاطًا بعشرات الرجال من بنى تميم. فقال يوسف: خلاص اقتنعت أنه هو فلا تتشدق عليَّ بالكلام، انت دائما محظوظ، ثم سألني: ولكن ما السرُ في أن يكونَ هذا الرجلُ بهذه المواصفات سيدًا لبني تميم؟ قلت له إسأله: قال: إسأله أنت، تذكرت كلامَ ابن قتيبة الدينوري في كتابه عيون الأخبار ، قال عن الأحنف بن قيس: أن الأحنف بن قيس كان “إذا أتاه رجلٌ أوسع له، فإن لم يكن له سَعَة [في مجلسه] أراه كأنه يوسع له. بهذه المعلومة قررتُ ان أتقدمَ نحوه، وبالفعل نجحتُ في اختراق الصفوف حتى وصلت إليه، فأفسح لي المجلس، وأظهر لي فنون التودد ، مما أزال عنى عبئًا نفسيًا كبيرًا، ومهَّد الطريقَ لكل ما يدور بخاطري من أسئلة. قلتُ: سأحاول أن اكتشفَ كيف أصبح سيَّدَ قبيلة بني تميم المعروفة. حينها كان يتحدث إلى القوم وسمعتُ منه كلامًا عجبًا، وحكمًا مفيدة، سمعته يقول لهم: (لو عاب الناس الماء لم أشربه) و (عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين، كيف يتكبر) و (الملول ليس له وفاء) (والكذاب ليست له حيلة) (والحسود ليست له راحة)و (والبخيل ليست له مروءة ) و (ولا يسود سيءُ الخُلُق)ثم التفت نحوي وقال: (وما أذكر أحدِاً بعد أن يقوم من عندي إلا بخير) واثناء حديثه أغلظ عليه أحدٌ ممن حوله وخاف هذا الرجل من أن يرد الأحنف على مقولته، فقال: والله يا أحنف لئن قلتَ لي واحدةً لَتَسْمَعَنَّ بدلها عشرًا. فقال له الاحنف: إنك إن قلتَ لي عشرًا، لن تسمعَ مني واحدةً.
قال لي أحدُ الحضور، بعد أن علم أننا غرباء: الحمد لله أنَّ الأحنفَ لم يغضب من هذا الأحمق الذي أغلظ عليه. قلت: وماذا لو غضب؟
قال: لو غضب الأحنف، غضِبَ لغَضَبِه مائةُ الف فارسٍ من بني تميم، لا يسألونه فيما غضب؟ فقال لي يوسف: بعد كل ما سمعناه، لا شكَّ أنك عرفتَ لما هو اصبح سيدًا لبني تميم. ثم قال يوسف: هل حفظت شيئًا مما قاله الاحنف نتسلى به حتى نعود؟ قلت له: من اين لي هذه الذاكرة؟ هل تظن انني وكيع؟ قال: ومن وكيع هذا؟ قلت: هو موجودٌ هنا في شجن بنى امية، لو شاهدتَ انسانًا أسمر ضخمًا، قل لي، لعله يكون هو. قال: هل تعتقد أن ذلك الأسمر الضخم السمين، الذي في طريقه إلى المسجد يكون هو؟ قلت له دعنا نختبره.
*وكيع بن الجراح*
قلتُ بصوت عالي:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي، شكوت الي وكيع سوء حفطي. متظاهرًا بأنني نسيب شطر البيت، فأتمه الرجل: قائلًا: (فأرشدني إلى ترك المعاصي) فرددتُ البيتَ الذي بعده: (واخبرني بأن النور علمٌ) فقال(ونور الله لا يُعطى لعاصي)
هذه ابيات للامام الشافعي، يقول فيها
شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي
فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي
وَأَخبَرَني بِأَنَّ العِلمَ نورٌ
وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعاصي.
قلت: السلام عليكم ايها الشيخ وكيع. رد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم سألنى:هل أنت شافعي؟ أم أنك معجب بشعره؟ قلتُ: معجبٌ بشعره وبعلمه، ثم قلت: سمعتُ أنهم يقولون: إذا أخذَ الشافعيُ في العربية قلنا: هو بهذا العلم أعلم، وإذا تكلم في الشعر وإنشاده قلنا: هو بهذا أعلم، وإذا تكلم في الفقه قلنا: هو بهذا أعلم ، هذا الشافعي بهذه الصفات كان تلميذًا عند وكيع. قلتُ ليوسفَ: هذا كنزٌ من كنوز نبلاء السودان، دعنا نقترب منه اكثر. إعترض يوسفُ، وقال: هل شجن بني اميه هذا كله أئمة وحفظة وشيوخ ووعاظ، أليس فيه شعراء ومطربين وظرفاء؟ قد سمعتُ أن عهدهم هذا مليءٌ بالمبدعين في كل الفنون، وفيه أشهرُ شعراء العرب جرير والفرزدق والأخطل، وعمرو بن ربيعة، والشاعر نصيب، أين نصيب أليس لنا من مقابلته نصيب؟
*نصيب الشاعر*
مرّ من أمامنا رجلٌ شديد السمرة، ونحن نتأمل من يكون هذا يا ترى، أم أنه من عوام الناس. أما هو بعد أن رآنا ننظر إليه ونتحدث، ظنَّ شيئًا آخرَ، فقال:
وَإِن أك حالِكاً لَوني فَإنّي
لِعَقل غَيرِ ذي سَقَط وِعاءُ
وَما نَزَلتُ بي الحاجاتِ اِلّا
وَفي عَرضي مِنَ الطَمَع الحَياء..
قال لي يوسف: نشّط ذاكرتك بسرعة وابحث عن قائل هذه الأبيات لعله هو نصيب، قلت دعنى أختبره وأُجاريه بقافيته، فرددتُ أبياتًا من عندي:
وما كسوت بناتك إلا جِلدا
أكسدهن ، ويا بئس الكساء..
فسكت ونظر إليَّ مندهشًا وقال لي: من أنت؟ ومن أين أتيت؟ قلت له أنت نصيب؟
قال: نعم أنا نصيب بن رباح، ولكن من أنت، وما أدراك ببناتي؟ لو لا أنني تنسَّكتُ، لأريتكم النجومَ رابِعَةَ النهار، قال يوسف همسا: (يا ستار أستر!!) دائما تدخلنا في مواقف حرجة، مالك أنتَ وبناته؟
قلت لنصيب: على مهلك سأشرح لك كل شيء، ولكن قل لي أولًا عن زينب بنت صفوان، فغضب وهاجَ وأحمرت عيناه، قال: أنا لا أستطيع أن أصبر أكثر من ذلك، فقال يوسف، هامسا مرتجفًا: ولا أنا كذلك!! قلت له: يا نصيب، أنت من أعلام النبلاء في العصر الأموي وهناك رجال سطروا سيرتكم، فيها الصالح وفيها الطالح ونحن نأخذها من باب العلم والامتاع والمؤانسة. بعد أن سمع جملتي هذه هدأ باله، وقال: كنت أعتقد ان تلك أمور قد عفى عليها الزمن واندثرت. قلت: ما كلُ شيءٍ يندثر، أقوالكم دررٌ وحكمٌ وعبر، نستنير بها، بدا الارتياحُ على وجهه وانبسطت أساريرُه، وكذلك يوسف.
سألته: هل تسمح لنا بشرف الجلوس معك لــ :؟ فاطعنى، قائلاً: قل لي ما ذا كتبوا عني؟ قلت له: قالوا نصيب بن رباح، أبو محجن، مولى عبد العزيز بن مروان. شاعر فحل، مقدم في النسيب والمدائح. كان عبداً أسود لراشد ابن عبد العزّى من كنانة، من سكان البادية. وأنشد أبياتاً بين يدي عبد العزيز بن مروان، فاشتراه وأعتقه. أقول ذلك ونصيب مستلقيًا على جنبه الأيمن، يستمع الى كلامي بتركيز، ثم سألته هل هذا صحيح؟ قال بلسانه: نعم صحيح متزامنًا ذلك مع إيماءةٍ برأسه للتاكيد. قلت: قالوا وكنتَ تتغزل بأم بكر (زينب بنت صفوان) وهي كنانية، وفي بعض الروايات (زنجية) ولك شعر فيها. ثم سألته: هل هذا صحيح؟ قال وهو مبتسمًا: واصل واصل. قلت له: هل زينب كانت كنانية ام زنجية؟ قال وما المانع أن تكون زنجية كنانية؟ قلت: وقالوا لك شهرة ذائعة، وأخبار مع عبد العزيز بن مروان وسليمان بن عبد الملك والفرزدق وغيرهم. وكنت تعد مع جرير وكثير عزة. وسئل عنك جرير، فقال: أشعر أهل جلدته. ثم تنسَّكتَ في أواخر عمرك هل صحيح؟ قال وبنفس الطريقة: نعم صحيح. قلت: وقالوا: كان لك بناتٌ، من لونك، امتنعت عن تزويجهنَّ للموالي ولم يتزوجهن العرب، فقيل لك: ما حال بناتك؟ فقلتَ: صببتُ عليهنَّ من جِلدي فكسدن عليّ، هل هذا صحيح؟ هنا قام من اتكائته واستعدل في جلسته، ونظر إلى الأرض وأجتر شيئًا من الندم، ثم رفع رأسه تجاهي و قال: عفى الله عما سلف ،قلتُ: وقالوا عنك، فقاطعني …. حسبك، غفر الله لنا ولك. قال يوسف: ماله تضايق وفجأة تغير مِزاجُه؟ قلتُ له: أنا اعرفُ انه تَنَسَّكَ وأقبلَ على شأنه وترك التغزُّلَ.
قال يوسف: أرى أن تكتفيَ بهذا القدر من العصر الأموي، وغدًا
نتوجهُ إلى العصر العباسي، قلتُ له: إن شاء الله، ويا خوفَ فؤادي من غدٍ..
22 أبريل 2025م


