مقالات الرأي

أُسَيْدِيات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسيْد إثنان لا يجتمعان: (التلفاز والانجاز)

 

من الأشياءِ السهلة جدًا وغير المجدية- والتي يستطيع أن يقومَ بها كلُ الناسِ، الاتقياء منهم والاشقياء، الفقراء والاغنياء، الأذكياء والأغبياء، المثقفين وغير المثقفين، المتعلمين وغير المتعلمين- الجلوسُ أمام القنوات الفضائية وملاحقة الأخبار، والاستماع للمذيعين والمذيعات المحتشمات منهنَّ والمتبرجات، والمحللين والمحللات المدلسين منهم والمدلسات.. نحن نجلسُ أمام القنوات الاخبارية ونعلم علم اليقين أن معظمَ ما يُقال فيها غيرُ صحيح، وأن ليس هناك شيءٌ جديد، ولا يُوجد شيءٌ يستحقُ الاهتمام، ولكن الإنسانَ- بطبعه- متمرد ويحبُ الاثارةَ والمبالغة، وهذا هو الوتر الضعيف فينا، الذي يعزف عليه صانعو أخبار الصورة والصوت. كن يقظًا ولا تُسلِّم نفسَك لأمورٍ تافهة وأخبارٍ كاذبة، وتقاريرَ مزورةٍ. لا شك انَّ معظمَ الأخبار لا تخلو من رسائلَ ضمنيةٍ لغسل الأدمغة وشقِّ الصف، لتحقيق اهداف مخطط لها مسبقًا، وبصرف النظر عن إن كنت مدركًا لهذه الحقيقة او غير مدرك لها، فانَّ ملاحقةَ القنوات الإخبارية فيها تشويشٌ للتفكير وإهدارٌ للوقت، وإرهاقٌ للجهد، واستدعاءٌ للطاقات السالبة. قيل: (من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم).. أنت لستَ مجبرًا على أن تتسمرَ أمام القنوات الإخبارية، لتعكرَ صفوَ مزاجك، وتكتم انفاسَك، ويضيق صدرُك وتُثار فيك الضغائن، فتضرِبُ بيدِك وترفسُ برجلِك، ثم تبصق على الشاشة. كل ذلك يمكنك التخلص منه بضغطـة(زر) حوّل القناة إلى قنواتِ مشاريعَ عملاقة، لترى كيف يواجه العاملون المنتجون التحديات، وكيف يجدون لها الحلول، حوّل إلى قنوات علمية، الى برامج كوميديا، إلى قنوات الحيوانات، فهي لا تعرف التمثيل ولا تشن الحروب على بعضها البعض، ليس كل الحيوانات مفترسة، والمفترس منها لا يفترس إلا عند الجوع بدافع غريزة البقاء، البشرُ هم المفترسون، نفترس بعضنا البعض ونفترس الحيوانات المفترسة من أجل المتعة والترفيه.

أمام بوابة المدرسة ونحن ننتظر خروج الابناء، جاءنا خبرٌ أن ترامب في السعودية، ذلك يعنى قفل بعض الطرق في العاصمة الرياض مما يسبب ازدحام في حركة المرور (وهذا كل ما يهمنا في زيارة ترامب للسعودية لا اكثر ولا أقل) تساءل أحدُ الآباء: هل أنتم صادقين بانكم لا تعرفون أن ترامب في السعودية؟ قلت له: نعم، وكذلك ترامب لا يعرف أننا في السعودية، لأننا لا نعنيه ولا هو يعنينا، فللسياسة أهلُها وللدولة رجالُها، فلماذا نحشر انوفنا فيما لا يعنينا، وهل نحن قمنا بما يعنينا حقَّ القيام، حتى ننشغلَ بما لما لا يعنينا؟ لو كلنا اهتمّ بالسياسة وملاحقة القادة والزعماء والمسئولين، فمتى نتفرغَ لما يعنينا؟ وكيف لنا أن نتغير ونتقدم نحو الأفضل؟ بعضنا يبرر ملاحقته للأخبار بحجة الاهتمام باحوال المسلمين للحديث النبوي (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) لا يا أخي إنَّ الاهتمامَ بأمر المسلمين يتمثل في زيارة المريض يتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدعاء لهم وإيناسهم وإطعامهم، وإغاثتهم، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) إن كان ولا بد، فأعرف ما تريد معرفته من خلال الإعلام المكتوب والمقروء، إنما الآفةُ في إعلام الصورة والصوت الذي من ضمن أهدافه تطبيع العيون والآذان على التجاوزات من (تدمير وقتل وبتر وأسر وتشريد) يريدون منا أن نشاهدَ هذه المناظر، في كل ساعة وكل دقيقة، بل في كل لحظة حتى نتمنى لهم التهجير الى أماكنَ آمنة، وذلك ما يبغون. هذا ليس استنتاجًا، ولكنها حقيقة يراها كلُ من لم تُظلِل عينيه غشاوةُ الأخبار المصورة. إنتبه، إفتح عينيك ولا تطيح في هذا الفخ.

بدلًا عن ضياعِ وقتك أمام القنوات، إستثمره في التدريب على تحسين ادائك، لأنَّ تحسينَ الأداء يعني مكافحةَ الهدر، ومكافحة الهدر تعنى التوفير والتوفير يعنى الربح والربح يعنى زيادة الدخل، وكلما زاد دخلُنا، زاد شعورُنا الرضا والطمأنينة. ولمعرفة ذلك، ادرس وطبِّق قوانين تطوير الذات مثل نظريــة( كايزن) اليابانية في تحسين الاداء، إستعن بمدلولها الشرعي، حيث قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يحبُ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يُتقنه) وهذا يعكس الفكرة الأساسية لكايزن والتي تركز على التحسين المستمر ( لكل نظرية وقانون كوني مدلوله الشرعي) أدعو الله قائلًا: ( اللهم لا تشغلنا بما لا يعنينا) قيِّم نفسَك ولا تنتظر التقييم من الغير.. ترتفع قيمةُ الإنسان بقيمة العمل الذي يؤدّيه وإخلاصه فيه ( قيمة المرء بما يتقنه) إياك ان تمثل دور الضحية تجنب (التبرير عدو التغيير) ولا تنتظر شيئًا من الحكومات، فكل الساسة في العالم فاسدون إلا من رحم ربي، ولكنهم يوفرون الأمن، وتحت مظلة الأمن، تستطيع ان تعمل، وعندما تعمل أنت، وهو يعمل وأنا أعمل، وكلنا يعمل ونتحول إلى مجتمع قوي، ثم إلى دولة قوية، لأن الحاكم يستمد قوته من قوة الرعية، فيجب أن نكونَ أقوياء، لأن العالمَ لا يعترف إلا بالقوي، واعلم أننا في عصرِ(حق القوة وليس قوة حق)

إن كنتَ تعتقد أنَّ هذا مجرد كلام، فعليك السلام واحذف من ذاكرتِك هذا المقال، ولا تقل شيئًا ولا تفعل شيئًا ولا تكن شيئًا، غير ان تجلسَ أمام القنوات لتبكي من العقوبات وتنتظر المعونات.

والله أعلى واعلم..

20 مايو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى