أعمدة الرأي

أُسَيْديات الثلاثاء عثمان الشيخ الأُسَيْد  يكتب مواطنو دولة السودان، هل كلهم سودان؟

 

جاءتني أسئلةٌ من جهات مختلفة حول نبلاء السودان الذين كتبت عنهم، أمثال (بلال ولقمان ومهجع ونصيب وأسامة بن زيد والنجاشي ويزيد بن حبيب وغيرهم) السؤال: هل كل هؤلاء من دولة السودان؟ للتوضيح أقول الاتي: كلمة السودان في اللغة هي جمع تكسير لكلمة (أسود) وإن كان الاستعمال الشائع لجمع كلمة أسود، هي كلمة (سُود) لكن كلمة (سودان) هي أيضًا مستخدمة، مثل بيضان و حمران و صفران، وهكذا يُجمع اللون، أحيانًا.. وعليه تكون كلمة سودان المذكورة في التراث الإسلامي والعربي هي كل من لون بشرته سوداء، والواحد منهم أسود، والجماعة سُودان ولا تعني سكان دولة جمهورية السودان، حيث ان دولة السودان دولة حديثة ولا تاريخَ لها ولم تكن موجودةً في خارطة العالم في ذلك الوقت. نبلاءُ السودان المعروفون، هم من سُودانُ الحبشة وسودان الحجاز وسودان اليمن وسودان العراق وسودان مصر، وغيرها من سُود سكان الكرة الأرضية، و كان منهم علماءُ ونبلاءُ وابطالٌ وشعراءُ وامراء.

بالرغم من وجود ألوانٍ مختلفة في دولة السودان الحالية، إلا انها سُميت على اسم الزنج السود دون غيرهم، لأن الزنج السود هم الأغلبية في هذه الدولة الحديثة، لذلك تجد بعض الأجانب يستغرب إذا رأى سودانيًا ابيضَ، فيقول له كيف أنت ابيض وتقول إنك من السودان؟ هذا التناقض لم يستوعبه العقلُ الواعي، وهذا يذكرني واقعةَ السوادني في مصر، عندما شاهد في محل خضار (أسود، باذنجان) لونه أبيض، ونحن لم نعرف الأسود( البانذجان) الأبيض في السودان فاستغرب وسأل صاحب المحل: هل هذا الأبيض أسود؟ فاستغرب الرجل وظنَّ أن الزول مخبول..! وهذا بالضبط عندما يشاهد الغير، انسانًا سودانيًا لونُه أصفر ويقول إنه من السودان، فيقول له كيف ذلك!؟ يستغرب السائل والمسئول، لأن كلَّ واحدٍ منهما يفكر بطريقة مختلفة، ولاشك أن أنتسابَ كل سكان هذه الدولة للزنج السودان فقط دون غيرهم من الألوان فيه عدم إنصاف لبقية الألوان. نحن نعلم ان دولة السودان فيها ( ’بيضان ) من أصول تركية وفيها سمران من أصولٍ عربية، وفيها صفران من أصول مصرية، وكذلك سودان من أصول زنجية، لكن الزنج وحدهم الذين تميَّزوا وانفردوا بلونهم واطلق الناسُ اسمَ السودان على لون الزنج دون مراعاة للغير. عندما نطالب بان يكون لهذا الوطن ( السودان) إسمًا يعبرعن كل سكانه- بصرف النظر عن الوانهم- فنحن نحارب العنصريةَ ونعطي كلَ مواطن- بصرف النظر عن لونه- حق الإنتماء للوطن، ونمنع احتكار ذلك على الذين هم سودان فقط

النبلاءُ من السودان لهم هوياتهم، على سبيل المثال: نجد أنَّ موسى- عليه السلام- من سودان مصر، كذلك لقمان الحكيم، أي من السود من شعب مصر، أما كافور من سودان الحبشة وكذلك بلال، ومهجع من سودان اليمن، وأبي دلامة من سودان العراق.. فاذا قال احد المؤرخين ان موسى عليه السلام من السودان فهو لا يقصد دولة السودان ولكنه يقصد أنه اسود من قوم السودان وليس من البيضان ولا من الصفران؟ هل نحن من سودان مصر، ام من سودان الحبشة، أما ان تقولَ إنك من السودان، فهذا شيءٌ مجهول ومبهم ونكرة، لا بد- يا أيها الانسان- أن يكونَ لك وطنٌ تنتمي إليه، لا يستطيع أحدٌ ان ينفيَ أنك من السودان، إلا في حالة تغيير لونك- إن شئت- فانت من السودان وافتخر بذلك ما شاء لك الافتخار والفخر باللون موجود منذ القدم، والعرب كانت تفتخر بالسمرة و السواد و كانت تكره الحمرة و الشقرة و تقول إنها من ألوان العجم”. الفرق بيننا وبينهم أنهم- كلهم- لهم اوطانٌ ينتسبون إليها ولم يكن لونهم هويتهم مثلنا نحن السودان.. الأغرب من ذلك، أننالسنا سودانًا خُلَّصًا- كباقي سودان افريقيا- و بالرغم من ذلك تجدنا أكثر تعصبًا منهم للسودان. في كينيا وفي أوغندا وفي بعض دول افريقيا يقولون لنا أنتم لستم سودانًا، أنتم صومال، و هؤلاء هم السودان يشيرون الى أبناء جنوب السودان، هذه الحقيقة يعرفها كل من زار تلك الدول.

أمة مسلمة وترفض الهدي النبوي في الأسماء والإعراض عن الله تعالى بأن يعرض المسلم عن شيءٍ من الشريعة، لأنه يخالف هواه ويجادل فيه بالباطل ليدحض به الحق. امةٌ تُعرض عن ذكر الله وتستغرب لماذا هي تعيش حيــــــاة ضنكًـا (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه 124

وإذا قلت لهم، قال الرسول، تسمع منهم عبارة: صلى الله عليه وسلم وانتهى، ماذا قال الرسول؟ وهل ما قاله صحيح؟ فهذا شيءٌ لا يهم، الأهم ألا يخسر الجدال، حتي لو يخالف نصًا قرآنيًا. أما الذين يقولون إن هويتَنا الإسلام، نحن نعلم انه لا توجد هوية إسلامية موحدة، لكن لو قررت الدول الإسلاميةُ ان تجعلَ لها هوية إسلاميةً موحدةً، وطُلب من كل دولة إسلامية الإنضمام الي هذه الوحدة، فسيُرفض طلب دولة جمهورية السودان إذا لم يغير إسمَه، لأنَّ هذا الاسم يحمل مدولًا عنصريًا، وهذا مخالفٌ للشرع الإسلامي. علماءُ الدين الإسلامي يعلمون أنه لا يُوجد في الدين تمييزٌ على أساس اللون أو العرق واسمُ السودان تمييزٌ على أساس اللون، لذلك سيُرفض طلب انضمامه للهوية الاسلامية مالم يغير إسمَه.

أن يكونَ لوطننا هويةٌ واسمٌ، هذا واجبٌ ديني ووطني، أهلُ السودان الخُلَّص لم يفتخروا بلونهم كما تفعل أنت؟ كما أنهم لم يعترفوا بسودانيتك، لأنك في نظرهم هجين، وغيرهم لم يقبلك لأنك حسمت هويتك باللون، فمن أين أنت وما هي هويتك؟ إذا قلت لي أنت من السودان، فأنت لم تفهم سؤالي لأنني لم اسألك عن لونك، أنا أعرف أنك من السودان وليس من البيضان، فانا- الحمد لله- لستُ مصابًا بعمى الألوان، فمن أي الأوطان أنت؟

اللهم إني قد بلغت، اللهمَّ فاشهد..

والله أعلى وأعلم..

 

عثمان الشيخ الأُسَيْد..

15 يونيو 2025م

زر الذهاب إلى الأعلى