كابتن محمد حسن الطاهر يكتب الشعوب: مصدر للحكمة أم أداة للتحشيد؟ (فرعون أم ملكة سبأ)

الكتلة الصامته :
في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتشابك فيه المصالح، تظل الشعوب هي الكتلة الصامتة التي يُراد لها أن تبقى كذلك. يُقال إن
– “الشعب هو مصدر السلطات”، لكن الواقع كثيرًا ما يُظهر أن الشعب ليس سوى مصدر للشرعية الشكلية،
يُستثار عند الحاجة، ويُستبعد عند القرار وبهذا يجد مصيره رحلة بين الوعي والتغييب
الشعب ليس مجرد كتلة بشرية تسكن رقعة جغرافية، بل هو كيان حيّ، نابض، يتكوّن من أفراد لهم إرادة، وذاكرة، وطموحات. لكن هذا الكيان كثيرًا ما يُختزل في الشعارات، ويُستثمر في الخطابات، دون أن يُستشار في السياسات. وهنا يظهر الفرق بين :
– الاستنارة التي تعني إشراك الشعب في صناعة القرار،
– و *الاستحمار* الذي يعني تجهيله وتغييبه، مع إبقائه في حالة انفعال دائم دون وعى حقيقى
ومن هنا يبقى السؤال الأهم:
– هل يُراد للشعوب أن تُستشار أم تُستثار؟
– هل يُنظر إليها كمصدر للحكمة أم كأداة للتحشيد؟
إن الاستنارة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأن الشعوب ليست قطيعًا، بل شركاء في المصير.
أما الاستثمار في الشعوب دون إشراكها، فهو شكل جديد من الاستحمار المقنّع.
نموذج الجامعة العربية:
عادة فى مسيرة الامم يجب البحث عن نموذج يتبع وعن مرجعية ذات قداسة متعالية أو رسالة خاصة تستطيع من بناءها الهيكلى ومحتواها الفكرى استلهام نموذج يمكن الاحتفاء به وتطويعه ليناسب كل حالة على حدة حسب ظروف الزمان والمكان والانسان ومن هنا يتولد السؤال
– هل يمكن اعتبار الجامعة هى ذلك الفردوس المفقود والنموذج المثال ؟
*✊الاجابة :
إذا أردنا لجامعة الشعوب العربية أن تكون منارة لا منبرًا ( تنير ولا تثير ) فعلينا أن نعيد تعريف العلاقة بين
– الحاكم والمحكوم
– النخبة والجمهور
– القرار والمصير
فالشعوب :
– لا تُستثار بالخطابات، بل تُستنهض بالعدالة،
– وتُستنير بالحرية،
– وتُستشار حين يُراد بناء مستقبل حقيقي.
في عالم اليوم الذى تتقاطع فيه السلطة مع الجماهير، وتُستخدم فيه الشعارات أكثر مما تُستثمر فيه العقول، يبرز سؤال جوهري:
– هل تُعامل الشعوب كمصدر للحكمة أم تُوظف فقط كأداة للتحشيد؟
نحاول إيجاد إجابة منطقية من النص القرانى باستنطاق
– نموذج فرعون الذي خاطب شعبه من برج الاستعلاء،
– نموذج ملكة سبأ التي خاطبتهم من منصة الحوار،
حيث تتجلى مفارقة تاريخية لا تزال حية في واقعنا السياسي العربي بين الطغيان والحكم التشاركى.
نموذج فرعون، في سردية التاريخ، لم يرَ في شعبه سوى وسيلة لتكريس سلطته. خاطبهم بلهجة الاستعلاء قائلاً: _”أنا ربكم الأعلى”_ ، واستخدم أدوات التخويف والتضليل ليحكم قبضته على العقول قبل الأجساد.
– لم يكن الشعب شريكًا في القرار، بل جمهورًا يُستثار عند الحاجة، ويُقمع عند الاعتراض.
– التحشيد هنا كان قهريًا،
والحكمة غابت لأن الشعب لم يُمنح فرصة التفكير أو المشاركة. في المقابل،
نموذج ملكة سبأ حين وصلتها رسالة النبي سليمان،
– لم تتسرع في الرد، بل جمعت مستشاريها وقالت: _”يا أيها الملأ أفتوني في أمري”_ ،
– فكانت أول من جسّد مفهوم الحكم التشاركي في التاريخ العربي القديم.
لم تكن تبحث عن تصفيق، بل عن رأي. لم تُخاطب شعبها من فوق، بل من بينهم. وهنا، تحوّل الشعب :
– من أداة إلى مصدر،
– ومن جمهور إلى عقل جمعي.
اليوم، لا تزال الأنظمة تتأرجح بين النموذجين.
هناك من يرى في الشعوب مجرد أدوات للتحشيد الإعلامي والسياسي،
– تُستثار عند الانتخابات،
– وتُهمّش عند صياغة السياسات.
وهناك من بدأ يدرك
– أن الحكمة الجماعية هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل مستدام،
– وأن الشعب ليس عبئًا بل رصيدًا.
ان الشعوب ليست جمهورًا في مسرح السلطة، بل هي النص ذاته
حين تُستشار، تُنتج قرارات أكثر عدالة، وأكثر استقرارًا.
– حين تُستخدم فقط للتحشيد، تتحول إلى قنابل موقوتة، تنتظر لحظة الانفجار.
الفرق بين فرعون وملكة سبأ ليس في العرش، بل في نظرة كل منهما لمن حوله.
– فهل نريد شعوبًا تُقاد، أم شعوبًا تُشارك؟
– وهل نريد قادة يُصفق لهم الناس، أم قادة يُصغون إليهم؟
في زمن الأزمات، لا يُنقذ الشعوب إلا من يؤمن بأن
– الحكمة لا تُحتكر،
– وأن الجماهير ليست مجرد أرقام في صناديق الاقتراع، بل عقول تستحق أن تُحترم، وتُستشار، وتُصنع معها الأوطان.


