أعمدة الرأي

حكاية من حلتنا يكتبها: آدم تبن   فى حلتنا يوم غير عادى

 

لم يكن ذلك اليوم يوما عاديا فى حياة أهل تلك القرية الوادعة فى ربوع بلادنا السودان ، يوم غير عادى من أيام الله تعالى فقد الأقدار فيه بغير ما يشتهى الناس ، فهم فى أمان الله مسالمون متحابون يغدون فى صباحهم جيئة وذهابا يتفقدون أحوال بعضهم البعض ، يزورون كبير السن والمريض يطمأنون على صحتهم وعافيتهم ويسألون عن غائبهم ويدعون له بالعودة سالما ، ورغم ذلك تجدهم منشغلون بأشغالهم إن كانت فى الزراعة أو الرعى أو التجارة أو المهن الأخرى ، وبالطبع يقع على أغلب النساء عبا كبيرا فى الأشغال المنزلية من إعداد لشاى الصباح وطهى للطعام ونظافة المنزل وغسل الملابس وكيها إن وجدت (مكواة الفحم) وتسمى المكوة أبو ديك ودى ماركة مشهورة ولمن لايعرفها فهى تصنع من الحديد يوضع بداخلها الفحم المشتعل نارا ويحكم قفلها جيدا وتمطر وهى ساخنة على الملابس لكيها وتحسين مظهرها ، فإن لم توجد المكاوة بعضا من الملابس تحت الفرش لينام عليها لكنها لاتخرج بذات الأناقة والمظهر الذى تخرج به عند كيها بالمكواة.

 

وتمضى حكاية من حلتنا فى رحلتها مع تفاصيل ذلك اليوم غير العادى ولتقريب الصورة للقارئ فإن القرية أو يسميها أهلها ب(الحلة) فإن مبانيها مشيدة بالمواد المحلية وهى القش والحطب تستثنى منها المؤسسات الخاصة مثل (المخازن) و(الدكاكين) وهى جمع مفردها دكان مكان بيع وشراء الإحتياجات الأسريةو(الطواحين) جمع طاحونة وتعنى مكان طحن الذرة لتصبح دقيق لصناعة العصيدة والكسرة والقراصة وأفران الخبز البلدى ، ولك أن تتخيل شكل المبانى السكنية وهى مصنوعة لمواجهة الأمطار والرياح حرارة الشمس ، لكن ما لاتتخيله أن المبانى السكنية يمكن أن تصبح أثرا بعد عين فى فصل الشتاء الذى تشتد فيه الرباح الشمالية الباردة ، ففى هذا الفصل الطويل الذى يستمر لمدة أربعة أشهر تبدأ من نهاية شهر نوفمبر وهو شهر حداشر الى منتصف شهر مارس وهو شهر تلاته ، فجأة تسمع أصوات صراخ وعويل فى مختلف الإتجاهات وترى بعينيك ألسنة اللهب والدخان تتصاعد الى أعلى من إتجاه معين، فعليك هنا أن تنطلق بأقصى سرعتك لنجدة أهل هذا المنزل أو المنازل التى تقع فى إتجاه الريح .

 

والجميع هنا همهم البحث عن طوق للنجاة ذاك يحمل أدوات منزلية أو محاصيل زراعية أو حيوانات مثل الماعز والجمال والحمير لإبعادها من الإحتراق وآخر يبحث عن مكان يوجد به ماء للمساعدة فى عمليات الإطفاء ، ولا مطافى تتأتى لمساعدة السكان فى إطفاء الحريق ، عليهم أن يواجهوا كل كثافة النيران بالأدوات البدائية ومنها تشليع المبانى المحيطة بالمنزل لعمل خط نار يساعد فى إخماد الحريق أو دفن النار بالتراب بالأيدي أو الكوريق وإن وجدت المياة مع شحها ستكون أداة فعالة فى مساعدتهم فى إطفاء الحريق ، ويالها من لحظات عصيبة يعيشها السكان فالنساء والأطفال يتصدرون المشهد بالبكاء والخوف الذى يلازمهم عند إشتداد حرارة النيران وعدم توقفها عند المنزل الذى الذى إشتعلت منه أولا ، وهنا تظهر شجاعة من بعض الشباب الذين يقفون بقوة وجسارة فى المساعدة فى إطفاء الحريق الذى يؤدى الى خسائر بشرية ومادية لا يمكن تعويضها فالحرائق تمثل لهم هاجسا سنويا عند حلول فصل الشتاء ونقول أنه بعد جهود حكومية أثمرت تخطيط لبعض القرى بدأ الهاجس يقل رويدا رويدا .

زر الذهاب إلى الأعلى