د.عبدالرحيم حاج الأمين يكتب الخلل البنيوي في الدولة السودانية .!؟ حقيقة أم اكذوبة؟

ما دعاني الي كتابة هذا المقال الإفادة اوردتها الدكتوره اماني الطويل مقروءة مع تعليق اخر هل السودان مؤهل للحكم الديمقراطي.؟
وللحقيقة تلك التساؤلات والاستفهامات تستدعي التساؤلات والتوقف واستعراض الأمر دون عواطف جياشه أو تخدير المواقف.
ماهو الخلل البينوي؟
يُعدّ مفهوم الخلل البنيوي من المفاهيم الجوهرية في تحليل أزمات الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها وضعف فاعلية أنظمتها السياسية والإدارية. ويقصد به ذلك الاختلال العميق في البنية التكوينية للدولة، سواء من حيث أسس شرعيتها، أو طريقة توزيع السلطة والثروة، أو بنيتها المؤسسية، أو العلاقة التي تربطها بالمجتمع. وبالنظر إلى التجربة السودانية منذ الاستقلال عام 1956، يمكن القول إن السودان يعاني من خلل بنيوي مزمن شكّل جذور أزماته المتعاقبة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
أولاً:- الجذور التاريخية للخلل البنيوي.
نشأت الدولة السودانية الحديثة على إرث استعماري مركزي فرضته الإدارة البريطانية – المصرية، حيث تمّ بناء جهاز الدولة لخدمة المركز في الخرطوم، دون إحداث تنمية متوازنة في الأقاليم. وبعد الاستقلال، ورثت الحكومات الوطنية هذا النموذج المركزي ولم تعمل على إصلاحه!، مما أدى إلى استمرار التهميش الجهوي واتساع الفجوة بين المركز والأطراف.
لقد كان هذا التكوين الموروث والذي استمر وأعتقد بأن الآباء المؤسسين Founding Fathers
هم المسئولين مباشرة عن تعميق الانقسامات الاجتماعية، حيث أُهملت مناطق الريف والهامش من حيث التنمية والخدمات والتعليم، في مقابل تركّز الموارد والسلطة في المركز، مما أوجد شعوراً دائماً بالغبن لدى سكان الأقاليم. ومن رحم هذا الخلل البنيوي، وُلدت الحروب الأهلية في الجنوب سابقاً، ثم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
الي ان وصلت حرب اليوم التي شملت كافة البلاد.
ثانياً: خلل السلطة السياسية
من أبرز مظاهر الخلل البنيوي في السودان عدم استقرار النظام السياسي، إذ شهدت البلاد أكثر من خمسة انقلابات عسكرية، وفترات قصيرة من الحكم المدني لم تستطع ترسيخ الديمقراطية أو بناء مؤسسات راسخة. ويُعزى ذلك إلى غياب الرؤية المؤسسية لبناء الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والجهوية على المصلحة الوطنية.
كما أن تغوّل المؤسسة العسكرية والأمنية على المجالين السياسي والمدني أدّى إلى تعطيل التطور الدستوري الطبيعي، وإلى إضعاف الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني. كثيرا من الدساتير خرقت بالانقلابات العسكرية. وحتي في فترات الديمقراطيات القصيرة فشلنا في ترسيخ المعالم.
ثالثاً:- خلل الهوية والعقد الاجتماعي
يُعدّ السودان من أكثر الدول تنوعاً في إفريقيا من حيث الأعراق واللغات والأديان، غير أن هذا التنوع لم يتحوّل إلى مصدر قوة ووحدة، بل أصبح سبباً للصراع. فقد فشلت الدولة السودانية في بناء هوية وطنية جامعة تستوعب التنوع الثقافي والإثني، وغلب على الخطاب الرسمي الطابع العربي الإسلامي، في وقت يستند التاريخ الي الافريقية طاقية علي العربية في سحنتا ولغتتا حتي ! مما همّش مكوّنات إفريقية وثقافات محلية أصيلة والحقيقة أصحاب البلد.
مما رسخ العنصرية المنكورة.
كما يعكس هذا الفشل أزمة في العقد الاجتماعي، إذ لم يتم التوافق على الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة: هل هي دولة دينية أم مدنية؟ مركزية أم فيدرالية؟ عربية أم إفريقية؟ هذه الأسئلة ظلت معلقة دون حسم، مما جعل مفهوم المواطنة هشاً، والثقة بين المواطن والدولة ضعيفة.
رابعاً:- خلل توزيع الموارد والتنمية
تُعدّ العدالة في توزيع الموارد والثروة أحد أعمدة الدولة الحديثة، غير أن السودان ظل يعاني من اختلال اقتصادي بنيوي يتمثل في تركّز الأنشطة الاقتصادية والاستثمارات في مناطق محددة، مقابل إهمال الأقاليم المنتجة. وهذا مادفع بالهجرة الي مناطق الخدمات فظهر ما يعرف بالسكن العشوائي ومدن الصفيح .
فالإقليم الذي ينتج النفط أو الذهب أو الزراعة لا ينال نصيبه العادل من العائدات، مما أدى إلى تفاقم الفوارق الاجتماعية، وتغذية النزاعات المسلحة حتي من الحكومات ، تلك الحركات التي اتخذت من التهميش الاقتصادي ذريعة لها. وبلغت اعدادا مأهولة بالاستنساخ والتكاثر preeding والانقسامات.
خامساً:- خلل المؤسسات وضعف دولة القانون
أدّت فترات الحكم العسكري والاضطرابات السياسية إلى إضعاف مؤسسات الدولة وغياب مبدأ الفصل بين السلطات، حيث طغت السلطة التنفيذية على القضائية والتشريعية. كما فُقدت المهنية في الخدمة المدنية بسبب التسييس والولاءات الحزبية والقبلية، مما أضعف فاعلية الإدارة العامة، وأفقد المواطن الثقة في مؤسسات العدالة والقانون.
*نحو إصلاح البنية التكوينية* للدولة وإن تجاوز الخلل البنيوي في الدولة السودانية يتطلب مشروعاً وطنياً جديداً لإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة والمساواة، وذلك من خلال:-
1.وضع دستور دائم توافقي يؤكد مدنية الدولة وديمقراطيتها ويضمن المشاركة الواسعة في صنع القرار.
2.إعادة توزيع السلطة والثروة عبر نظام فيدرالي حقيقي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة وموارد مستقلة.
3.إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية لتخضع للسلطة المدنية المنتخبة وتؤدي دورها في حماية الدولة لا حكمها.
4.بناء هوية وطنية جامعة تُعلي قيم التنوع والتعايش والاحترام المتبادل بين المكونات السودانية.
5.إرساء دولة القانون والمؤسسات القائمة على الكفاءة والمساءلة والشفافية.
*خلاصة! لابد إصلاح الوعي الجمعي وإعادة بناء النفوس*
إن تطبيق مرتكزات الإصلاح البنيوي للدولة لا يكتمل إلا إذا ارتبط بإصلاح الوعي الجمعي للمجتمع، عبر شروط صارمة تضمن تحويل المبادئ النظرية إلى ممارسات واقعية. فبناء الدولة الحديثة لا يقوم على إعادة هيكلة المؤسسات فحسب، بل على تطهير النفوس من تراكمات الغبن والمرارات التي خلفتها الصراعات الطويلة والحروب الأهلية. فالأوطان لا تُبنى بقلوب مريضة بالحقد أو النفور، بل بنفوسٍ متصالحة مع ذاتها، متسامحة مع غيرها، تدرك أن السلام الاجتماعي هو شرط النهضة السياسية والاقتصادية.
إن الركون إلى وهم أننا “بخير” رغم ما يكذبه الواقع الماثل، لا يُسهم إلا في تأجيل المواجهة الحقيقية مع أزماتنا العميقة. كما أن الاحتماء بسرديات الماضي، مهما كانت بطولية أو مؤثرة، لا يعفي الأجيال الحالية من مسؤوليتها تجاه الحاضر والمستقبل. فالتاريخ ليس ملاذاً نُقيم فيه، بل مرآة نقرأ فيها أنفسنا لنتجاوز أخطاءنا.
لقد كشفت الحرب الدائرة – على قسوتها – عن كثير من الحقائق الموجعة، أبرزها مدى تخلف بنية الدولة والمجتمع عن ركب التطور الإنساني والحضاري الذي بلغته دول كانت يوماً تشاركنا الظروف ذاتها. لقد علمتنا هذه التجربة المؤلمة أن حب الوطن ليس شعاراً يُرفع، بل علماً يُتعلم، ووعياً يُمارس منذ الحروف الأولى في أبجدية الانتماء،
أن ” الألف، والباء، والتاء” في حب الأوطان سقطنا فيها، حين ما غلبت مصالحنا اوطاننا ! لكن النهوض منها هو بداية.
الله غالب.
د.عبدالرحيم حاج الأمين


