فريق شرطة حقوقي د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب السودان: الدولة المعطاة والمصطنعة والمفروضة من الخارج: جدلية التوصيف والتشخيص وإعادة التعريف (19)

الانقلابات الهجينة المدنية– العسكرية وأثرها على الشرعية الدستورية (9)
الانتقال: ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م (1)
من منظورٍ دستوري– تاريخي، تكشف التجربة السودانية الحديثة، أن أزمة الدولة السودانية المعاصرة لم تكن، في جوهرها، مجرد أزمة تداول سلطة أو تعثّر ديمقراطي عابر، وإنما أزمة تأسيس بنيوي ممتدة ارتبطت بطبيعة نشأة الدولة الوطنية نفسها منذ الاستقلال عام 1956م. فقد ورثت النُخب السياسية السودانية جهاز دولة مركزيًا مكتمل البنية الإدارية والقانونية من الحقبة الاستعمارية للحكم الثنائي (الكوندومينيوم – Condominium)، دون أن يصاحب ذلك اكتمال عقدٍ وطني– دستوري جامع يؤسس لمفهوم موحّد للسيادة والشرعية والهوية الوطنية. ومن ثم، نشأت الدولة السودانية الحديثة، وهي تتحرك داخل حالة مزمنة من عدم الاكتمال المؤسسي، تداخلت فيها الشرعيات العسكرية والمدنية والثورية والأيديولوجية والدينية، فضلًا عن أنماط الانتماء الوطني العابر للحدود، دون أن تستقر البلاد على نموذج دستوري راسخ قادر على ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع ومؤسسات القوة.
وقد تجلّى هذا الاختلال البنيوي بصورة واضحة في مسار الانتقالات والانقلابات الهجينة التي عرفها السودان منذ الاستقلال والحكم الوطني 1956م، لا سيما خلال ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة أبريل 1985م، ثم انقلاب 30 يونيو 1989م، حيث ظلّت كل مرحلة انتقالية تعيد إنتاج الدولة القديمة داخل ترتيبات سياسية جديدة، دون أن تُحدث قطيعة مؤسسية حقيقية مع البنية العسكرية –الأمنية–البيروقراطية الموروثة. وبدلًا من أن تتحول الانتفاضات الشعبية إلى لحظة تأسيس دستوري نهائي لدولة مدنية مستقرة، أصبحت، في كثير من الأحيان، مدخلًا لإعادة تدوير مراكز النفوذ التقليدية داخل صيغ انتقالية مؤقتة وهشّة، الأمر الذي أبقى سؤال الشرعية الدستورية معلقًا بصورة دائمة، وجعل الدولة السودانية تتحرك داخل دورة متكررة من الانتقال غير المكتمل وإعادة إنتاج السلطة.
وفي هذا السياق، مثّل انقلاب 30 يونيو 1989م نقطة تحوّل مفصلية في بنية الدولة السودانية؛ إذ دشّن مرحلة المراسيم الدستورية التأسيسية (1989م–1998م)، التي أعادت صياغة الدولة على أسس أيديولوجية–أمنية مغلقة، عبر مشروع سياسي سعى إلى إعادة تعريف مفهوم السلطة والمواطنة والهوية الوطنية ضمن تصور يتجاوز الدولة الوطنية التقليدية إلى فضاء حركي–عقائدي عابر للحدود. وقد ترتب على ذلك توسّع غير مسبوق لدور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وتداخل البنية السياسية بالدينية والعسكرية، بما أفضى إلى إعادة هندسة الدولة وفق منطق السيطرة الأمنية أكثر من منطق البناء الدستوري المؤسسي. ومن ثم، لم تعد الدولة تُدار بوصفها إطارًا قانونيًا محايدًا لتنظيم المجال العام، وإنما بوصفها أداة لإعادة تشكيل المجتمع والسلطة وفق مشروع أيديولوجي ذي طبيعة أمنية–حركية مركبة.
وقد انعكس هذا الإرث البنيوي العميق، المتمثل في تراكم الدولة الأمنية–العسكرية، وهشاشة البناء الدستوري، واستمرار الانتقالات الهجينة، وتداخل الشرعيات السياسية والثورية والعسكرية، بصورة مباشرة على مسار الانتقال الذي أعقب ثورة 18 ديسمبر 2018م وسقوط نظام الإنقاذ في 11 أبريل 2019م. فعلى الرغم من الزخم الشعبي والثوري الذي رافق الحراك الجماهيري الممتد، فإن السلطة الانتقالية التي تشكّلت بموجب الوثيقة الدستورية لسنة 2019م جاءت، هي الأخرى، في إطار صيغة هجينة قائمة على الشراكة بين المكوّن العسكري وقوى الحرية والتغيير، بما أعاد إنتاج معضلة الشرعية الدستورية في ثوب جديد. إذ لم تؤسس الوثيقة الانتقالية لقطيعة كاملة مع بنية الدولة القديمة، بل قامت على موازنة دقيقة بين شرعية الثورة الشعبية من جهة، والشرعية الواقعية للمؤسسة العسكرية والأمنية من جهة أخرى.
ومن ثم، لم يكن الانتقال السياسي الذي أعقب سقوط نظام الإنقاذ انتقالًا من نموذج سلطوي مغلق إلى دولة مدنية مكتملة التأسيس، بقدر ما كان إعادة ترتيب لموازين القوة داخل بنية الدولة ذاتها، مع بقاء المؤسسات العسكرية والأمنية محتفظة بموقعها المركزي داخل معادلة السلطة والسيادة. ولذلك، ظلّت السلطة الانتقالية تتحرك داخل فضاء سياسي– دستوري شديد الهشاشة والسيوله، تحكمه التوازنات السياسية والأمنية أكثر مما تحكمه القواعد الدستورية المستقرة، الأمر الذي جعل الوثيقة الدستورية لسنة 2019م أقرب إلى إطار تنظيمي لإدارة المرحلة الانتقالية 2019م، لا إلى تأسيس نهائي لعقد دستوري جديد يعيد تعريف الدولة والسلطة والسيادة بصورة حاسمة.
وقد ازداد هذا الوضع تعقيدًا بفعل غياب المؤسسات الدستورية الضابطة، مثل المحكمة الدستورية، والمجلس التشريعي الانتقالي، والمفوضيات المستقلة، فضلًا عن تعطّل استكمال البنية المؤسسية للسلطة الانتقالية 2019م. ونتيجة لذلك، تحركت حكومة الدكتور/ عبد الله حمدوك داخل معادلة دقيقة بين الشرعية الثورية المستندة إلى الحراك الشعبي، والشرعية التوافقية الناتجة عن التسوية السياسية بين المكوّن العسكري والقوى المدنية، دون أن تتمكن من نقل مركز الثقل الفعلي للسلطة من المؤسسة العسكرية إلى المؤسسات المدنية. ولذلك، بقيت الدولة الانتقالية 2019م محكومة بمنطق التوازنات السياسية والأمنية، أكثر من خضوعها لمنطق المشروعية الدستورية المكتملة.
وفي موازاة ذلك، ظل الإرث الأمني والسياسي للدولة العميقة حاضرًا داخل مؤسسات الحكم والاقتصاد والإدارة العامة، بما جعل عملية الانتقال نفسها محكومة بقيود البنية القديمة أكثر من اندفاعات التغيير الثوري. كما أسهم تداخل الفاعلين الإقليميين والدوليين والمحليين، عبر الوساطات السياسية والدعم الاقتصادي والشبكات الدبلوماسية والأمنية، في تعقيد المشهد الانتقالي، بحيث لم يعد الصراع يدور فقط حول مستقبل الحكم المدني، وإنما حول طبيعة الدولة السودانية نفسها، وموقعها داخل توازنات الإقليم والتحالفات الدولية.
ومن ثم، أخذت أزمة الشرعية الدستورية في السودان طابعًا مركبًا؛ إذ لم يعُد السؤال متعلقًا فقط بمن يملك السلطة، وإنما بمن يملك تعريف الشرعية ذاتها: هل هي شرعية الثورة الشعبية؟ أم شرعية السيطرة الواقعية على أدوات القوة؟ أم الشرعية التوافقية الناتجة عن التسويات السياسية؟ أم الشرعية الدستورية المرتبطة بالنصوص الانتقالية؟ وهو سؤال ظل معلقًا طوال المرحلة الانتقالية 2019م، قبل أن ينفجر بصورة أكثر حدّة مع إجراءات 25 أكتوبر 2021م، ثم مع استقالة رئيس الوزراء الدكتور/ عبد الله حمدوك في يناير 2022م، وصولًا إلى حرب 15 أبريل 2023م، التي كشفت بصورة نهائية هشاشة البناء الانتقالي وعجزه عن إنتاج دولة مدنية مستقرة تحتكر السلطة والسيادة والسلاح في إطار دستوري موحّد.
وعليه، فإن الربط بين المراسيم الدستورية التأسيسية لنظام الإنقاذ (1989م–1998م)، والوثيقة الدستورية لسنة 2019م، وتعديلات 2025م، يكشف عن خيط بنيوي متصل يحكم تطور الدولة السودانية الحديثة؛ إذ ظلّت النصوص الدستورية والمراسيم الانتقالية تُستخدم، في كثير من الأحيان، باعتبارها أدوات لإدارة التوازنات السياسية والعسكرية والأمنية، أكثر من كونها تعبيرًا عن تأسيس دستوري مستقر ودائم. ومن ثم، استمرت أزمة الشرعية في التجدّد عبر كل مرحلة انتقالية تاريخية، لأن جدلية الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الدولة، وحدود السلطة، والعلاقة بين المدني والعسكري، ومفهوم السيادة الوطنية، وهوية الدولة، لم تُحسم بصورة نهائية.
وفي ضوء ذلك، فإن تناول تداعيات ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م، لا يمكن فصله عن هذا السياق التاريخي– الدستوري الممتد، ولا عن التحولات العميقة التي أعادت تشكيل بنية السلطة والسيادة والعلاقات الخارجية داخل الدولة السودانية. فالثورة، رغم أنها فتحت المجال السياسي أمام قوى مدنية جديدة، لم تُنهِ الإرث البنيوي المتراكم للدولة الأمنية والعسكرية، بل دخلت هي نفسها في شبكة معقدة من التوازنات الداخلية والتأثيرات الإقليمية والدولية، بما في ذلك تصاعد أدوار الفاعلين العابرين للحدود، والمنظمات الدولية، وشبكات النفوذ الإقليمي، وسودانيي الشتات متعددي ومزدوجي الجنسية، الذين أصبحوا جزءًا مؤثرًا في تشكيل المجال السياسي والإعلامي والحقوقي المرتبط بالأزمة السودانية المعاصرة.
وانطلاقًا من هذا الإطار التحليلي العام، يمكن تتبّع هذا النمط الانتقالي للانقلابات الهجينة المدنية– العسكرية عبر المراحل الانتقالية المتعاقبة، بوصفها حلقات متصلة في إعادة تشكيل الدولة دون اكتمال تأسيسها النهائي. وهو ما يدفع إلى استكمال التصورات الواردة في سلسلة المقالة هذه، التي سلسلتها تناولت: (أولًا) انتقال ثورة 21 أكتوبر 1964م؛ (ثانيًا) انتقال الانتفاضة الشعبية في مارس–أبريل 1985م؛ (ثالثًا) انتقال مسار المراسيم الدستورية التأسيسية لنظام ثورة الإنقاذ الوطني (1989م–1998م)؛ وصولًا إلى (رابعًا) انتقال ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م، بوصفها الحلقة الأحدث في مسار إعادة تشكيل الدولة السودانية دون اكتمال تأسيسها الدستوري النهائي.
(رابعًا) انتقال ثورة 18 ديسمبر 2018م – 11 أبريل 2019م:
————————————
شهد يوم 18 ديسمبر 2018م اندلاع موجة احتجاجات شعبية واسعة على خلفية الأزمة الاقتصادية الحادة وغلاء المعيشة، قادتها تجمع النقابات والمهنيون والطلاب، قبل أن تتحول سريعًا إلى ثورة جماهيرية شاملة طالبت بإسقاط نظام 30 يونيو 1989م. ومع اتساع نطاق العصيان المدني والمظاهرات في مختلف المدن السودانية، تدخل الجيش في 11 أبريل 2019م ليعلن عزل الرئيس عمر البشير، منهياً بذلك ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ الوطني.
وقد مثّلت هذه اللحظة امتدادًا تاريخيًا لمسار الانتفاضات والثورات السودانية السابقة 1964م، 1985م، إلا أنها حملت، في الوقت ذاته، دلالات أعمق تتصل بتنامي الاختراقات الأمنية والاستخباراتية الأجنبية داخل بنية الدولة السودانية عبر السفارات والممثليات والمنظمات الدولية. وهو اختراق تعود جذوره، وفق هذا التصور التحليلي لسلسلة المقالة هذه، إلى ثمانينيات القرن الماضي 1984م، لا سيما منذ مشروع ترحيل الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل عبر دولة ثالثة، حيث بدأت المصالح الأمنية والاستخباراتية الخارجية تتداخل تدريجيًا مع البنية الداخلية للدولة الأمنية القابضة، إلى أن أصبحت جزءًا من تكوينها العميق.
وقد تجلّى هذا الاختراق الأمني–الاستخباراتي بصورة أكثر وضوحًا خلال اعتصام المتظاهرين أمام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم في عام 2019م؛ إذ تحوّل الاعتصام، مع تطور مسار الانتقال السياسي، من مجرد فضاء احتجاجي جماهيري إلى مركز ضغط سياسي–أمني مفتوح ومعقّد، تداخلت داخله الفواعل الوطنية مع التأثيرات الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، أصبح محيط القيادة العامة مسرحًا ظاهرًا لتقاطعات النفوذ السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي عبر الحضور المتزايد للممثليات والسفارات الأجنبية والمنظمات الدولية ودوائر الوساطة الإقليمية، التي سعت، بدرجات متفاوتة، إلى التأثير في مسار الانتقال السياسي وتوازنات السلطة داخل الدولة السودانية.
وقد كشف هذا المشهد، بصورة غير مسبوقة في التاريخ السياسي السوداني الحديث، أن البنية الأمنية والاستخباراتية المرتبطة بالتفاعلات الدولية، لم تعد تعمل فقط عبر القنوات السرية التقليدية أو أدوات التأثير غير المباشر، وإنما أصبحت جزءًا معلنًا من معادلة إدارة الانتقال وهندسة ترتيبات السلطة الجديدة. ومن ثم، لم يعُد الصراع خلال المرحلة الممتدة بين 2019م – 2023م محصورًا في التوازنات الداخلية بين المكوّن العسكري والقوى المدنية، بل امتد ليصبح جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بإعادة تشكيل الدولة السودانية وموقعها داخل موازين النفوذ والتحالفات في إقليم القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر.
وفي سياق هذا التداخل، برزت أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين الذين اضطلعوا بمهام الوساطة والتسهيل لإبرام الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية لسنة 2019م؛ حيث لعب الاتحاد الأفريقي دورًا محوريًا عبر مفوضيته ورئيسها موسى فقي، فيما قاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد جهود الوساطة المباشرة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير. كما شارك ممثلون عن مصر والسعودية في مراسم التوقيع، إلى جانب حضور الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأفريقية، مثل كينيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، بما جعل الاتفاق السياسي محاطًا بشبكة من الضمانات الإقليمية والدولية.
إلا أن هذه المرحلة لم تخلُ من إشكالات قانونية ودستورية، خاصة في ظل ما أُثير بشأن وجود ثلاث نسخ معتمدة من الوثيقة الدستورية 2019م، واعتماد وزير العدل لإحدى تلك النسخ دون الرجوع إلى منصة التأسيس السياسي–الاتفاقي التي قامت عليها التسوية الانتقالية 2019م، وهو ما أثار جدلًا حول الطبيعة القانونية للوثيقة الدستورية نفسها، ومدى تعبيرها عن إرادة تأسيسية مستقلة، أم عن تسوية سياسية خاضعة لموازين القوة الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق، برز الدور الإماراتي بوصفه أحد أكثر الأدوار الإقليمية تأثيرًا في بنية الانتقال؛ إذ لم يقتصر على الدعم السياسي والاقتصادي، وإنما اتخذ طابعًا بنيويًا في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة السودانية. فقد ارتبطت دولة الإمارات بصورة مباشرة بالمجلس العسكري الانتقالي، وقدّمت دعمًا ماليًا ولوجستيًا، وأسهمت في تعزيز نفوذ قوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بما جعلها فاعلًا إقليميًا مؤثرًا في هندسة السلطة الانتقالية. ومن ثم، لم يكن هذا الدور مجرد تدخل خارجي عابر، بل مثّل امتدادًا لاختراق أمني– استخباراتي إقليمي، أصبح معه الوجود الإماراتي جزءًا من شبكة إعادة إنتاج السلطة داخل السودان عبر أدوات اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة.
وبذلك، فإن اعتصام القيادة العامة، وما أعقبه من اتفاق سياسي ووثيقة دستورية بضمانات إقليمية ودولية، كشفا بوضوح، أن هندسة السلطة الانتقالية لم تكن عملية داخلية خالصة، وإنما جاءت ضمن شبكة مصالح إقليمية ودولية متداخلة، أعادت ترتيب ميزان القوة بين المدني والعسكري، وأعادت إنتاج حضور الدولة العميقة في صيغة جديدة محكومة بتوازنات معقدة بين الداخل والخارج، وبين مطالب الثورة الشعبية ومصالح القوى الإقليمية والدولية.
وإزاء ذلك، في أعقاب سقوط نظام 30 يونيو 1989م في 11 أبريل 2019م، عاد السودان مرة أخرى إلى نمط (الانتقال الهجين)، حيث تشكّلت سلطة انتقالية بموجب الوثيقة الدستورية لسنة 2019م على أساس شراكة معقدة بين المكوّن العسكري والقوى المدنية التي قادت الحراك الثوري. وقد تأسس مجلس السيادة الانتقالي بوصفه رأس الدولة الجماعي خلال المرحلة الانتقالية، في محاولة لإيجاد توازن سياسي–دستوري بين الشرعية الثورية المدنية والشرعية العسكرية الواقعية. ومن ثم، جاءت بنية السلطة الانتقالية معبّرة عن طبيعة التسوية التي أعقبت سقوط النظام السابق 1989م، باعتبارها تسوية لم تُنهِ بصورة كاملة نفوذ الدولة الأمنية–العسكرية، وإنما أعادت دمجه داخل إطار دستوري–انتقالي جديد يقوم على الشراكة والتوازن أكثر من قيامه على الحسم الدستوري النهائي لمسألة السيادة والسلطة.
وفي هذا السياق، تكوّن المكوّن العسكري داخل مجلس السيادة من الفريق أول عبد الفتاح عبدالرحمن البرهان رئيسًا للمجلس، والفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائبًا للرئيس دون سند من نصوص الوثيقة الدستورية 2019م، إلى جانب الفريق الركن شمس الدين كباشي، والفريق الركن ياسر العطا، واللواء الركن إبراهيم جابر، بما عكس استمرار الحضور المركزي للمؤسسة العسكرية والأمنية داخل قمة السلطة الانتقالية، باعتبارها الطرف المحتفظ بأدوات القوة والسيادة والأمن. ولم يكن هذا الحضور مجرد تمثيل رمزي للمؤسسة العسكرية داخل هياكل الحكم، وإنما كان تعبيرًا عن استمرار ميزان القوة الواقعي لصالح المكوّن العسكري، الذي ظل يحتفظ بالسيطرة الفعلية على الأجهزة النظامية والأمنية، وعلى أجزاء واسعة من المجال السيادي والاستراتيجي للدولة.
وفي المقابل، ضمّ المكوّن المدني شخصيات ارتبطت بالحراك الثوري والقوى المدنية، من أبرزها محمد الفكي سليمان، وصديق تاور، وعائشة موسى السعيد، ورجاء نيكولا عبد المسيح، إلى جانب حسن شيخ إدريس (حسن شيخ الدين)، بما منح القوى المدنية حضورًا مؤثرًا داخل مجلس السيادة، وأوجد نوعًا من التوازن العددي والسياسي مع المكوّن العسكري. إلا أن هذا التوازن ظل هشًا بحكم اختلاف مصادر القوة والشرعية بين الطرفين؛ إذ استند المدنيون إلى شرعية الحراك الثوري والغطاء الجماهيري والمشروعية السياسية المستمدة من الشارع بوصفهم أصحاب مصلحة Stake-holder، بينما استند المكوّن العسكري إلى السيطرة الواقعية على مؤسسات القوة المسلحة والأمنية داخل الدولة بوصفهم فاعلين سياسيين Political Actor. ومن ثم، لم تكن العلاقة بين الطرفين قائمة على تكامل وظيفي مستقر داخل بنية دستورية مكتملة، وإنما على معادلة توازن قلق تحكمها الاعتبارات السياسية والأمنية أكثر مما تحكمها قواعد المشروعية الدستورية المستقرة.
وإلى جانب مجلس السيادة، تشكّلت حكومة مدنية انتقالية برئاسة الدكتور/ عبد الله حمدوك، الذي مثّل واجهة تنفيذية مدنية للمرحلة الانتقالية، وضمت الحكومة عددًا من التكنوقراط والرموز المدنية المرتبطة بقوى إعلان الحرية والتغيير، في محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإدارة المرحلة الانتقالية على أساس مدني–دستوري. وقد ضمت الحكومة وزراء مدنيين، من بينهم الدكتور/ إبراهيم البدوي وزيرًا للمالية، وياسين إبراهيم وزيرًا للتجارة والصناعة، وعمر مانيس وزيرًا لشئون مجلس الوزراء، إلى جانب عدد من الكفاءات المهنية المستقلة. إلا أن الحكومة ضمّت كذلك عنصرين عسكريين في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية من القوات المسلحة والشرطة، بما مثّل امتدادًا مباشرًا للمكوّن العسكري داخل السلطة التنفيذية. ومع ذلك، ظلّت الأغلبية العددية للمدنيين داخل مجلس الوزراء ومؤسسات السلطة الانتقالية تمنح انطباعًا بأن الانتقال يتجه نحو مسار مدني تدريجي، رغم استمرار النفوذ الأمني والاستخباراتي داخل بنية الدولة العميقة.
إلا أن هذا البناء الانتقالي لم يظل ثابتًا على الثنائية التقليدية بين المدنيين والعسكريين، إذ شهدت بنية السلطة الانتقالية تحولًا مهمًا عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020م، حيث جرى توسيع مجلس السيادة وإعادة تشكيل جزء من معادلة السلطة عبر إدماج مكوّنات الكفاح المسلح ضمن البنية الدستورية الانتقالية. وفي هذا الإطار، انضم الهادي إدريس، رئيس الجبهة الثورية السودانية، والطاهر حجر، قائد حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي، إلى مجلس السيادة بوصفهما ممثلين للحركات المسلحة في دارفور، كما انضم مالك عقار، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، ممثلًا لمسار النيل الأزرق والمنطقتين.
وعلى المستوى التنفيذي، دخل جبريل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، إلى الحكومة الانتقالية وزيرًا للمالية خلفًا للدكتور إبراهيم البدوي، في إطار ما عُرف بحكومة الاستحقاق السياسي– الاتفاقي للوثيقة الدستورية لسنة 2019م. كما شاركت قيادات أخرى من الحركات المسلحة في مؤسسات السلطة الانتقالية، من بينها تعيين أركو مني مناوي حاكمًا لإقليم دارفور، فضلًا عن انضمام فصائل أخرى من دارفور والنيل الأزرق إلى ترتيبات السلام والسلطة. ومن ثم، لم يعد مجلس السيادة الانتقالي بعد عام 2020م قائمًا فقط على الثنائية التقليدية بين المدنيين والعسكريين، وإنما تحوّل إلى بنية أكثر تعقيدًا وتركيبًا ضمّت ثلاثة مكوّنات رئيسية: المكوّن العسكري، والمكوّن المدني، ومكوّن الكفاح المسلح.
وبذلك، أصبحت معادلة الشرعية الانتقالية تقوم على ثلاث ركائز متداخلة: الشرعية الثورية الشعبية؛ والشرعية العسكرية الواقعية؛ وشرعية السلام والكفاح المسلح الناتجة عن اتفاق جوبا. إلا أن هذا التوسّع، رغم أنه منح الحركات المسلحة شرعية دستورية وانتقالية، وأعاد توزيع السلطة داخل الدولة، إلا أنه زاد، في الوقت ذاته، من تعقيد بنية الانتقال 2019م، وأدى إلى تعدد مراكز النفوذ داخل السلطة الانتقالية، بما جعل إدارة الدولة خاضعة لتوازنات سياسية وعسكرية وتنظيمية شديدة الهشاشة. ولذلك، لم يؤدِّ إدماج الحركات المسلحة إلى إنهاء أزمة الشرعية أو احتواء التناقضات البنيوية داخل السلطة الانتقالية، وإنما أسهم لاحقًا في تعميق الانقسامات والصراعات داخل معادلة الحكم الانتقالي نفسها.
وفي سياق تطور المرحلة الانتقالية، برزت كذلك ظاهرة تعدد الانتماءات القانونية والسياسية لشاغلي المناصب الدستورية، سواء داخل مجلس السيادة أو حكومتي الدكتور/ عبد الله حمدوك الأولى والثانية. ولم يعد هذا التباين مقتصرًا على التنوع الفكري والسياسي الداخلي، بل امتد إلى الانتماء العابر للحدود، مع تصاعد ظاهرة ازدواجية الجنسية لدى عدد من الشخصيات المدنية، الأمر الذي جعل بعض النُخب السياسية جزءًا من شبكات تأثير عابرة للدولة الوطنية، ذات امتدادات سياسية وحقوقية ودبلوماسية دولية.
ولم تكن هذه الظاهرة منفصلة عن التطور الدستوري والتشريعي الذي شهدته الدولة السودانية خلال حقبة الإنقاذ وما بعدها؛ إذ إن المادة (22) من دستور جمهورية السودان 1998م، وكذلك المادة (7) من دستور جمهورية السودان الانتقالي 2005م، قد شرّعتا بصورة صريحة مبدأ ازدواجية الجنسية وتعددها، عبر إجازة حمل الجنسية الأجنبية إلى جانب الجنسية السودانية دون إسقاط الجنسية الأصلية أو المساس بها. كما جاءت المادة (45) من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019م لتعكس استمرار هذا النهج، من خلال تنظيمها لمسألة التعيين في المناصب الدستورية والتنفيذية دون اشتراط مانع مطلق يتعلق بازدواج الجنسية، وإنما وفق ضوابط ومعايير سياسية ودستورية عامة تحكم شروط شغل المناصب خلال المرحلة الانتقالية.
وبذلك، أصبح التعدد في الجنسية مبدأً ممتدًا ومتدرجًا داخل البناء الدستوري السوداني عبر مراحله المختلفة، لا سيما في أعوام 1998م، 2005م، 2019م، حيث انتقل من مجرد تنظيم قانوني للجنسية إلى عنصر مؤثر في بنية التمثيل السياسي وإدارة السلطة خلال الفترات الانتقالية. وقد مثّل هذا التحول تطورًا مهمًا في مفهوم الانتماء القانوني داخل الدولة السودانية، إذ انتقل مفهوم المواطنة من الارتباط الأحادي بالدولة الوطنية إلى الاعتراف القانوني بإمكانية تعدد الروابط السيادية والقانونية للفرد.
ومن ثم، فإن ظاهرة ازدواجية الجنسية التي برزت بصورة أوضح خلال المرحلة الانتقالية 2019م، لم تكن مجرد واقع اجتماعي أو سياسي طارئ، وإنما امتداد لمسار دستوري وقانوني تأسس منذ دستور 1998م، الذي أقرّ لأول مرة بصورة دستورية صريحة مبدأ التعدد القانوني للانتماء الوطني. وقد انعكس هذا التحول لاحقًا على بنية النُخب السياسية والإدارية والدستورية، مع صعود شخصيات تحمل جنسيات مزدوجة أوروبية أو أمريكية أو إقليمية، بما منحها امتدادات دولية وشبكات تواصل خارجية، بدورها عززت حضور البُعد الدولي داخل معادلة الانتقال السياسي السوداني.
وفي هذا الإطار، لم تعد الجنسية المزدوجة مجرد وصف قانوني يتعلق بالمركز الشخصي للفرد، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في تشكيل الشرعية السياسية وإدارة السلطة خلال المرحلة الانتقالية، خاصة في ظل انخراط نُخب سودانية مرتبطة بالمؤسسات الدولية والمنظمات الأممية ودوائر التأثير الأوروبية-الغربية والإقليمية. وهو ما أوجد نمطًا من (النخب العابرة للحدود)، التي استمدت جزءًا من مشروعيتها وتأثيرها من الجمع بين الانتماء الوطني والامتداد الدولي العابر للحدود الوطنية، بما أعاد طرح سؤال العلاقة بين السيادة الوطنية والانتماء القانوني المركّب داخل بنية الدولة السودانية الحديثة.
ففي حين مثّل المكوّن العسكري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول محمد حمدان دقلو قاعدة القوة العسكرية– الأمنية الداخلية الصلبة، مع ما ارتبط بحميدتي من امتدادات قبلية وتجارية عابرة للحدود في تشاد وليبيا وفضاءات غرب أفريقيا، ضمّ المكوّن المدني شخصيات يحمل بعض أفرادها جنسيات مزدوجة .


