منوعات

«مامبا سوداء»… حين يتخفّى الشر في هيئة الحب مقال نقدي تأملي في رواية الأديب والروائي أسامة رقيعة بقلم الروائية الاردنية فاتن ابوزيد

 

متابعات : الخليل الاخباري

مقال نقدي تأملي في رواية الأديب والروائي أسامة رقيعة بقلم الروائية الاردنية فاتن ابوزيد

 

ليست كل الحكايات التي تبدأ بالحب تنتهي عنده، وليست كل القلوب التي تنبض بالشوق تعرف الطريق إلى المحبة. ففي رواية «مامبا سوداء»، ينسج أسامة رقيعة عالمًا تتداخل فيه الرغبة بالحقيقة، والوهم بالإرادة، والفساد بالشهوة، ليضع الإنسان أمام مرآة لا تجامل أحدًا؛ مرآة تكشف ما يختبئ خلف الكلمات الجميلة، وما قد يرتكبه القلب حين يخلط بين الامتلاك والحب.

في قلب هذه الحكاية يقف مقصود رجب، رجل لا يُهزم بقوة خصمه بقدر ما يُستنزف حين تُسرق منه قدرته على الاختيار. تتسلل ملعوبة إلى حياته، لا لتشاركه الحب، بل لتستحوذ على عالمه، مستعينة بأوهام جايكا وسحره الأسود. وهنا تتجاوز الرواية حدود الخيانة العاطفية إلى سؤال أشد عمقًا: هل يظل الحب حبًا حين يُنتزع بالإخضاع، وتُصادَر فيه إرادة الآخر؟ إن ما تتعرض له شخصية مقصود ليس مجرد انكسار رجل أمام امرأة، بل اغتراب إنسان عن ذاته، حتى يغدو أسير حياة لا تشبهه، وعاطفة لا يعرفها قلبه.

 

وفي الجهة الأخرى تقف سامية إبراهيم، بما تمثله من صفاء روحي ووعي يتجاوز المظاهر. إنها ليست مجرد حبيبة غائبة في حياة مقصود، بل صورة لطريق آخر؛ طريق يرى في الحب ارتقاءً لا استحواذًا، وفي المعرفة مسؤولية، وفي الجمال قيمة لا تنفصل عن الأخلاق. ومن خلال التباين بين سامية وملعوبة، تضع الرواية المحبة والامتلاك في مواجهة حاسمة: الأولى توسّع الروح وتحررها، والثاني يضيّق العالم حتى لا يبقى فيه سوى الأنا.

 

أما جايكا ومايكا، فيكشفان وجهًا آخر للصراع؛ فالأول ينجرف وراء الشهوات، والثاني وراء الثروات، وكلاهما يكتشف، بطريقته، أن الانغماس في الملذات والأطماع لا يمنح صاحبه الحرية التي يتوهمها. وتأتي مملكة الجن، بمحاكمها وقوانينها واختلاف زمنها عن عالم البشر، لتتجاوز وظيفة الخيال الغرائبي، وتصبح مساحة رمزية لمساءلة عالم يختل فيه ميزان العدالة، وتضيع فيه الحدود بين الطموح المشروع والفساد، وبين الحرية والانفلات من المسؤولية.

 

ولعل أكثر ما يمنح الرواية اتساعها هو خروجها من حكاية الأفراد إلى أحوال المجتمع. فالصفقات الوهمية، والتلاعب بالمشروعات، والفساد الذي يكاد يبتلع المؤسسات، ليست تفاصيل عابرة في مسار الأحداث؛ إنها امتداد للخلل الأخلاقي نفسه الذي يحكم العلاقات حين تتحول المصالح إلى غايات مطلقة. فالرغبة التي تسلب إنسانًا إرادته ليست بعيدة في جوهرها عن الطمع الذي يسلب الناس حقوقهم، وكلاهما يبدأ حين يصبح الآخر وسيلة لتحقيق المنفعة، لا إنسانًا له كرامته وحريته.

 

وتبلغ الرواية ذروتها الفكرية حين تضعنا أمام معنى الموت والحياة. فالموت، في الرؤية التي تتكشف عبر مسار جايكا ومايكا، ليس مجرد انطفاء الجسد أو الانتقال من عالم إلى آخر، بل قد يكون انغلاق الكائن داخل ذاته، وانقطاعه عن الخير، واستغراقه في شهواته ومصالحه. وفي المقابل تبدو النجاة استعادةً للذات، ومصالحةً مع الحقيقة، وقدرةً على العيش من أجل ما يتجاوز حدود الأنا.

 

وحين نصل إلى مقصود في أستراليا، جالسًا عند نهاية الممشى الأخضر، نكتشف أن الرواية لا تغلق أبوابها بإجابة نهائية، بل تتركنا أمام أسئلة الحب والذاكرة والأمل. يظهر طائر القيثارة، بصوته الذي يحاكي المطر، ثم يعود نحو الشجرة السامقة، في مشهد تتجاور فيه الدهشة والحنين. وكأن مقصودًا الذي استعاد حريته، لا يزال يبحث عن شيء لم يبلغه بعد؛ عن سامية، وربما عن المعنى الذي ظل الحب يعده به. وتبقى الشجرة والطائر صورتين مفتوحتين على التأويل: حياة تتجذر في صمت، وروح لا تكف عن التوق إلى فضاء أرحب.

 

إن «مامبا سوداء» ليست حكاية شر ينتصر ثم ينهزم فحسب، بل محاولة للتأمل في الجذور التي تمنح الشر قدرته على التسلل إلى حياتنا، وفي ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الحب عن الرغبة في الامتلاك، والحرية عن الأنانية، والقوة عن الطغيان. وبين عثرات الشخصيات وتحولاتها، تظل الحقيقة الأشد إلحاحًا أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، ولا بما يستطيع إخضاعه، بل بما يصونه في داخله من إنسانية.

 

فليس أخطر ما يفعله الشر أن يسرق منا ما نحب، بل أن يقنعنا بأن الاستحواذ هو الحب، وأن الأنانية حرية، وأن امتلاك الآخر انتصار. وربما كانت النجاة الحقيقية أن نستعيد أنفسنا قبل أن نفقد القدرة على تمييز الطريق.

زر الذهاب إلى الأعلى