مقالات الرأي

الحق أبلج ٦٥٠ عميد شرطة م لطف الله أحمد عفيفي يكتب هل أصبح النموذج الليبي أقرب من أي وقت مضى إلى السودان؟

بسم الله الرحمن الرحيم

أثارت زيارة محمد حمدان دقلو “حميدتي” لمراكز امتحانات الشهادة السودانية بمدينة نيالا العديد من التساؤلات السياسية حول دلالات هذه الخطوة وتوقيتها، خاصة في ظل الأوضاع المعقدة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. وبينما يرى البعض أن الزيارة تمثل مؤشراً على اتجاه البلاد نحو سيناريو شبيه بالنموذج الليبي القائم على وجود سلطتين متوازيتين، يرى آخرون أن الأمر لا يزال في إطار الرسائل السياسية ومحاولة إثبات القدرة على إدارة المناطق الخاضعة للسيطرة.

 

لا شك أن ظهور حميدتي وسط الطلاب ومتابعته لسير الامتحانات يحمل عدة رسائل سياسية وإدارية. أول هذه الرسائل هو إظهار أن المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الخدمات العامة وتسيير شؤون المواطنين، بما في ذلك العملية التعليمية. كما أن الزيارة تعكس سعياً لاكتساب شرعية سياسية من خلال رعاية الأنشطة المدنية وإبراز صورة السلطة القادرة على تقديم الخدمات، وليس الاكتفاء بالدور العسكري فقط.

 

كذلك يمكن قراءة الزيارة باعتبارها رسالة موجهة إلى الحكومة في الخرطوم مفادها أن هناك سلطة أمر واقع تدير مناطق واسعة من البلاد وتعمل على بناء مؤسساتها الخاصة. ويأتي ذلك في ظل حديث متزايد عن وجود ترتيبات إدارية واقتصادية منفصلة، مثل إنشاء مؤسسات مالية أو اتخاذ خطوات ذات طابع سيادي في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع.

 

ومع ذلك، فإن الربط المباشر بين هذه الزيارة وبين الوصول الحتمي إلى تقسيم السودان أو تطبيق النموذج الليبي يبقى في إطار التحليل السياسي أكثر من كونه حقيقة مؤكدة. فالتاريخ السوداني شهد أزمات وصراعات معقدة عديدة، ورغم خطورتها لم تؤد جميعها إلى تقسيم البلاد. لذلك فإن الحديث عن التقسيم يجب أن يستند إلى معطيات سياسية وقانونية وميدانية أوسع من مجرد حدث أو زيارة سياسية.

 

ومن القضايا التي تفرض نفسها بقوة في هذا السياق مسألة الاعتراف بالشهادات التعليمية للطلاب الذين جلسوا لهذه الامتحانات. فالأصل أن الاعتراف بالشهادات يعتمد على الجهة القانونية المخولة بإعداد الامتحانات واعتماد النتائج وإصدار الشهادات. وإذا استمرت العملية التعليمية ضمن إطار وطني معترف به، فلن تكون هناك إشكالات كبيرة. أما إذا تطورت الأمور إلى إنشاء منظومة تعليمية مستقلة بالكامل عن مؤسسات الدولة الرسمية، فقد تنشأ تساؤلات قانونية وأكاديمية حول مدى الاعتراف بهذه الشهادات داخلياً وخارجياً.

 

كما يبرز تساؤل آخر يتعلق بموقف القوى السياسية والعسكرية الدارفورية التي أعلنت دعمها للحكومة في الخرطوم، وعلى رأسها حركات يقودها مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم. وفي حال حدوث أي تطورات تتجه نحو الانفصال أو فرض واقع سياسي جديد، فإن مواقف هذه القوى ستبقى عاملاً مهماً في تحديد شكل المشهد المستقبلي، خاصة أنها أعلنت في مناسبات عديدة تمسكها بوحدة السودان ورفضها لأي مشاريع تقسيمية.

 

في النهاية، فإن وجود مؤسسات موازية أو ترتيبات إدارية منفصلة في مناطق النزاع يعد مؤشراً على تعقيد الأزمة السودانية وعمق الانقسام السياسي والعسكري القائم. لكن ذلك وحده لا يكفي للجزم بأن التقسيم أصبح أمراً واقعاً أو أن السودان يسير حتماً نحو النموذج الليبي. فمصير البلاد سيظل مرتبطاً بالتوازنات السياسية والعسكرية، وبقدرة السودانيين على الوصول إلى تسوية وطنية شاملة تحافظ على وحدة الدولة وتضع حداً للحرب ومعاناة المواطنين.

 

نسأل الله السلامة للبلاد والعباد.

 

٨ يونيو ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى